11 - العزم على عدم العودة إلى الذنب :
اعلم أن العزم على عدم العودة إلى الذنب فيما بقي من العمر لا بد منه في التوبة ، وهل إمكان صدوره منه في بقية العمر شرط ، حتى لو زنا ثم جبّ وعزم على أن يعود إلى الزنا على تقدير قدرته لم تصح توبته ، أم ليس بشرط فتصح . الأكثر على الثاني ، بل نقل بعض المتكلمين إجماع السلف عليه ويدل عليه عموم الآيات والأخبار ورفع الحرج والشريعة السهلة السمحة ، وأولى من هذا بصحة التوبة من تاب في مرض مخوف غلب على ظنه الموت فيه ، وأما التوبة عند حضور موت وتيقن الفوت والمعاينة لموضعه في الآخرة ، فقد انعقد الاجماع على عدم صحتها ، ويدل عليه جملة من الآيات والأخبار .
12 - أقسام العباد في التوبة :
قال بعض العارفين هم طبقات :
الطبقة الأولى :
أن يتوب العاصي ويستقيم إلى آخر عمره فيتدارك ما فرط من أمره ، ولا يحدث نفسه بالعود إلى ذنوبه إلا الزلات التي لا ينفك البشر عنها في العادة ، وهي التوبة النصوح .
الطبقة الثانية :
تائب سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وكبائر الفواحش كلها ، إلا أنه ليس ينفك عن ذنوب تعتريه لا عن عمد وتجديد قصد ، ولكن يبتلي بها في مجاري أحواله من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها ، ولكنه إذا أقدم لام نفسه وندم وجدد عزمه على عدم العود . وهذه رتبة عالية وإن كانت نازلة عن الأولى وهي أغلب أحوال التائبين لأن الشر معجون بطينة الآدمي قلّما ينفك عنه . قال تعالى :
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ
« 1 » . وقال تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ
« 2 » . وفي الحديث خياركم كل مفتن تواب . وفي الرواية المؤمن كالسنبلة تفيء أحيانا وتميل أحيانا .
الطبقة الثالثة :
ان يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه شهوته في بعض الذنوب ، فيقدم عليها عن قصد وصدق شهوة لعجزه عن قهر الشهوة إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات وتارك جملة من السيئات مع القدرة والشهوة . وإنما قهرته هذه الشهوة
هامش
( 1 ) سورة الشورى ؛ الآية : 37 .
( 2 ) سورة آل عمران ؛ الآية : 135 .