المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتى يستغفر ربه فيغفر له ، وإن الكافر لينساه من ساعته .
قال بعض المحققين إذا فهمت معنى القبول لم تشك في أن كل توبة صحيحة فهي مقبولة . فالناظرون بنور البصائر المستمدون من أنوار القرآن علموا أن كل قلب سليم مقبول عند اللّه ، ومتنعم في الآخرة في جوار اللّه تعالى ، ومستعد لأن ينظر بعينه الباقية إلى وجه اللّه وعلموا أن القلب خلق سليما في الأصل ، فكل مولود يولد على الفطرة ، وإنما تفوته السلامة بكدورة ترهق وجهه من غبرة الذنوب وظلمتها ، وعلموا أن نار الندم تحرق تلك الغبرة ، وأن نور الحسنة يمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة ، وأنه لا طاقة لظلمة المعاصي مع نور الحسنات ، كما لا طاقة لظلام الليالي مع نور النهار ، بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع بياض الصابون . فكما أن الثوب الوسخ لا يقبله الملك لأن يكون لباسه ، فالقلب المظلم لا يقبله اللّه تعالى لأن يكون في جواره ، وكما أن استعمال الثوب في الأعمال الخسيسة يوسخ الثوب ، وغسله بالصابون والماء الحار ينظفه لا محالة ، فاستعمال القلب في الشهوات يوسخ القلب وغسله بماء الدموع وحرقة الندم تنظفه وتطهره وتزكيه ، وكل قلب زكي طاهر فهو مقبول ، فعلى الإنسان التزكية والتطهير ، وعلى اللّه القبول إلا أن يغوص الوسخ لطول تراكمه في تجاويف الثوب وخلله ، فلا يقوى الصابون على قلعه . ومثال ذلك أن تتراكم الذنوب حتى تصير طبعا ورينا على القلب ، فمثل هذا القلب لا يرجع ولا يتوب ، نعم قد يقول باللسان ثبت فيكون ذلك كقول القصار بلسانه قد غسلت الثوب ، وذلك لا ينظف الثوب ما لم يغير صفته باستعمال ما يضاد الوصف المتمكن منه .
6 - تقسيم الذنوب التي يتاب منها :
تنحصر جميع الذنوب في أربع صفات ، صفات ربوبية وشيطانية وبهيمية وسبعية ، لكون طينة الإنسان معجونة من أخلاط مختلفة يقتضي كل منها أثرا .
فالربوبية كالكبر والفخر والتجبر وحب المدح والثناء والعز ودوام البقاء وطلب الاستعلاء ونحوها ، وهذه أم المهلكات .
والشيطانية كالحسد والبغي والحيلة والخداع والأمر بالفساد والمنكر والغش والشقاق والدعوة إلى البدع والضلالة .