من الصغائر المعلوم انها صغائر ، وقال آخرون انها لا تجب من ذنوب تاب عنها من قبل .
وقال آخرون انها تجب من كل صغيرة وكبيرة من المعاصي .
أقول : الأظهر انها إنما تجب لما لم يكفر من الذنوب ، كالكبائر والصغائر التي أصر عليها لكونها ملحقة بالكبائر ، فأما مع اجتناب الكبائر فهي مكفرة إذا لم يصر عليها لا تحتاج إلى التوبة .
3 - فورية التوبة :
لا ينبغي ان ترتاب في فورية التوبة ، إذ دفع ضرر الذنوب فوري وجوبه ، على أن أصل التوبة هو معرفة كون المعاصي مهلكات ، وهذا العلم من نفس الإيمان وهو واجب فوري ، والعلم بضرر الذنوب إنما أريد ليكون باعثا على تركها ، فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان ، وهو المراد بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن . إذ ليس المراد نفي الإيمان باللّه وصفاته وكتبه ورسله وملائكته ، بل نفي الإيمان بكون الزنا مبعدا عن اللّه وموجبا للمقت ، كما إذا قال الطبيب للمريض هذا سم فلا تتناوله ، فإذا تناوله يقال تناوله وهو غير مؤمن ، أي بكونه سما مهلكا لا أنه غير مؤمن بوجود الطبيب ، لأن العالم بالسم لا يتناوله أصلا . فالعاصي بالضرورة ناقص الإيمان ، وليس الإيمان بابا واحدا بل هو نيف وسبعون بابا أعلاها الشهادتان وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، وقد صرح المعتزلة بفورية الوجوب حتى قالوا يلزم بتأخيرها ساعة إثم آخر تجب التوبة منه أيضا ، حتى أن من أخر التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة فقد فعل كبيرتين ، وساعتين أربع كبائر الأولتان وترك التوبة عن كل منهما ، وثلاث ساعات ثمان كبائر ، وهكذا . والأصحاب لم يذكروا هذا التفصيل ولكن وافقوهم في الفورية .
4 - عموم التوبة في الأشخاص والأحوال :
اعلم أن وجوب التوبة عام في الأشخاص والأحوال ، فلا ينفك عنه أحد البتة كما قال تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً
فعمم الخطاب ، وكل إنسان لا يخلو عن معصية ، إلا أن الأنبياء والأوصياء ذنوبهم ليست كذنوبنا ، وإنما هي ترك دوام الذكر والاشتغال بالمباحات ، ولذا ورد ان حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وقال الصادق عليه السّلام : ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان يتوب إلى اللّه ويستغفره في كل يوم وليلة مائة مرة ، وفي حديث سبعين مرة من غير ذنب . ان اللّه يخص أولياءه بالمصائب ليؤجرهم عليها من غير ذنب ، أي