تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
في النشأة الأخروية ، كما ورد في أحاديث كثيرة من طرق المخالف والمؤالف ، بل قال بعض أرباب العرفان إن الحيات والعقارب والنيران التي تظهر في القبر والقيامة هي بعينها الأعمال القبيحة ، والأخلاق الذميمة ، والعقائد الباطلة ، كما أن الروح والريحان والحور والثمار هي الأخلاق الزكية ، والأعمال الصالحة والاعتقادات الحقة ، إذ الحقيقة الواحدة تختلف صورها باختلاف الأماكن ، فتحلى في كل موطن بحلية وتتزيّى في كل مقام بزيّ . وقال الشيخ البهائي رحمه اللّه الحق أن الموزون في الآخرة هو نفس الأعمال لا صحائفها ، وما يقال من أن تجسم العرض طور خلاف طور العقل ، فكلام ظاهري عامي ، والذي عليه الخواص من أهل التحقيق ان سنخ الشيء وحقيقته مغاير للصورة التي يتجلى بها على المشاعر الظاهرة ويلبسها لدى المدارك الباطنة ، وانه يختلف ظهوره في تلك الصور بحسب اختلاف المواطن والنشآت ، فيلبس في كل موطن لباسا ، ويتجلبب في كل نشأة بجلباب ، كما قالوا إن لون الماء لون إناءه ، واما الأصل الذي تتوارد هذه الصور عليه ويعبرون عنه تارة بالسنخ ومرة بالوجه وأخرى بالروح فلا يعلمه إلا علام الغيوب ، فلا بعد في كون الشيء في موطن عرضا وفي آخر جوهرا ، ألا ترى إلى ما يظهر في اليقظة من صورة العلم ، فإنه في تلك النشأة أمر عرضي ، ثم إنه يظهر في النوم بصورة اللين ، فالظاهر في الصورتين سنخ واحد تجلى في كل موطن بصورة ، فقد تجسم في مقام ما كان عرضا في مقام آخر . وذكر جملة من الأحاديث تدل على ذلك ذكرناها في كتابنا مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار . وقال العلامة المجلسي رحمه اللّه جميع الأحوال والأفعال في الدنيا تتجسم وتتمثل في النشأة الأخرى ، اما بخلق الأمثلة الشبيهة بها بإزائها ، أو بتحول الأعراض هناك جواهر . والأول أوفق بحكم العقل ولا ينافيه صريح ما ورد في النقل . ثم قال بعد نقل كلام الشيخ البهائي : والقول باستحالة انقلاب الجوهر عرضا والعرض جوهرا في تلك النشأة مع القول بإمكانها في النشأة الآخرة قريب من السفسطة ، إذ النشأة الآخرة ليست إلا مثل تلك النشأة ، وتخلل الموت والإحياء بينهما لا يصلح أن يصير منشئا لأمثال ذلك ، والقياس على حال النوم واليقظة أشد سفسطة ، إذ ما يظهر في النوم إنما يظهر في الوجود العلمي ، وما يظهر في الخارج فإنما يظهر بالوجود العيني ، ولا استبعاد كثيرا في اختلاف الحقائق بحسب الوجودين ، وأما النشأتان فهما من الوجود العيني ، ولا اختلاف بينهما إلا بما ذكرنا . وقد عرفت انه لا يصلح لاختلاف الحكم العقلي في ذلك ، وأما الآيات والأخبار فهي غير صريحة في ذلك ، إذ يمكن حملها على أن اللّه تعالى يخلق هذه بإزاء تلك ، أو هي
حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 423 | السيد عبد الله شبر