تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
وقد روي عن الصادق عليه السّلام ما ذكرناه في هذا المعنى وبيناه فسئل عليه السّلام عمن مات في هذه الدار أين تكون روحه ، فقال عليه السّلام من مات وهو ما حض للإيمان محضا أو ما حض للكفر محضا نقلت روحه من هيكله إلى مثله في الصورة وجوزي بأعماله إلى يوم القيامة ، فإذا بعث اللّه من في القبور أنشأ جسمه وردّ روحه إلى جسده وحشره ليوفيه أعماله فالمؤمن ينتقل من جسده إلى مثل جسده في الصورة فيحل في جنات من جنات الدنيا يتنعم فيها إلى يوم المآب ، والكافر تنتقل روحه من جسده إلى مثله بعينه ويجعل في نار فيعذب بها إلى يوم القيامة . وشاهد ذلك في المؤمن قوله تعالى :
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي
الآية . وشاهد ما ذكرناه في الكافر قوله تعالى :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
فأخبر سبحانه أن مؤمنا قال بعد موته وقد أدخل الجنة يا ليت قومي يعلمون ، وأخبر أن كافرا يعذب بعد موته غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة يخلد في النار ، والضرب الآخر ما يلهى عنه ويعدم نفسه عند فساد جسمه ، فلا يشعر بشيء حتى يبعث وهو من لم يمحض الإيمان محضا ولا الكفر محضا . وقد بيّن اللّه تعالى ذلك عند قوله :
إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً
فبيّن أن قوما عند الحشر لا يعلمون مقدار لبثهم في القبور ، حتى يظن بعضهم ان ذلك كان عشرا . ويظن بعضهم أن ذلك كان يوما وليس يجوز أن يكون ذلك من وصف من عذب إلى يوم بعثه ، لأن من لم يزل منعما أو معذبا لا يجهل عليه حاله فيما عومل به ، ولا يلتبس عليه الأمر في بقائه بعد وفاته . وقد روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنه قال : إنما يسأل في قبره من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا ، فأما ما سوى هذين فإنه يلهى عنه . وقال في الرجعة إنما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا ، فأما ما سوى هذين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب .

4 - إن المنعم والمعذب في القبر هو الروح :

وقد اختلف أصحابنا فيمن ينعم ويعذب بعد موته ، فقال بعضهم المنعم والمعذب هو الروح التي توجه إليها الأمر والنهي والتكليف وسموها جوهرا ، وقال آخرون بل الروح الحياة جعلت في جسد كجسده في دار الدنيا . وكلا الأمرين يجوزان في العقل ، والأظهر عندي قول من قال إنها الجوهر المخاطب وهو الذي تسميه الفلاسفة البسيط . وقد جاء في الحديث أن الأنبياء خاصة والأئمة من بعدهم ينقلون بأجسادهم وأرواحهم من الأرض إلى السماء ، فيتنعمون في أجسادهم التي كانوا فيها عند مقامهم في الدنيا ، وهذا خاص بحجج