تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
ينزل الملكان على من محض الإيمان محضا ، ومحض الكفر محضا ، ومن سوى هذين فيلهى عنه . وبينا أن الخبر جاء بذلك فمن جهته قلنا فيه ما ذكرناه . ولا ينزل الملكان إلا على حي ، ولا يسألان إلا من يفهم المسألة ويعرف معناها ، وهذا يدل على أن اللّه تعالى يحيي العبد بعد موته للمسائلة ، ويديم حياته بنعيم إن كان يستحقه أو بعذاب إن كان يستحقه . والغرض من نزول الملكين ومساءلتهما العبد أن اللّه تعالى يوكل بالعبد بعد موته ملائكة النعيم وملائكة العذاب ، وليس للملائكة طريق إلى ما يستحقه إلا بإعلام اللّه تعالى ذلك لهم ، فالملكان اللذان ينزلان على العبد أحدهما من ملائكة النعيم والآخر من ملائكة العذاب ، فإذا هبطا لما وكلا به استفهما حال العبد بالمسألة ، فإن أجاب بما يستحق النعيم قام بذلك ملك النعيم وعرج عنه ملك العذاب ، وإن ظهرت فيه علامة استحقاق العذاب وكّل به ملك العذاب وعرج عنه ملك النعيم ، وقد قيل إن الملائكة الموكلين بالنعيم والعقاب غير الملكين الموكلين بالمساءلة ، وإنما يعرف ملائكة النعيم وملائكة العقاب ما يستحقه العبد من جهة ملكي المسائلة فإذا سألا العبد وظهر منه ما يستحق به الجزاء تولى منه ذلك ملائكة الجزاء ، وعرجا ملكا المسائلة إلى مكانهما من السماء ، وهذا كله جائز ولسنا نقطع بأحد القولين دون صاحبه ، إذ الأخبار فيه متكافئة والعادة لنا في معنى ما ذكرناه الوقف والتجويز . وإنما وكل اللّه تعالى ملائكة المسائلة وملائكة العذاب والنعيم بالخلق تعبدا لهم بذلك ، كما وكّل الكتبة من الملائكة بحفظ أعمال الخلق وكتبها ونسخها ورفعها تعبدا لهم بذلك ، وكما تعبد طائفة من الملائكة بحفظ بني آدم ، وطائفة منهم بإهلاك الأمم ، وطائفة بحمل العرش ، وطائفة بالطواف حول البيت المعمور ، وطائفة بالتسبيح ، وطائفة بالاستغفار للمؤمن ثم قال وطريق مسائلة الملكين الأموات بعد خروجهم من الدنيا هو السمع وطريق العلم برد الحياة إليهم عند المسائلة هو العقل ، إذ لا تصح مسائلة الأموات واستخبار الجمادات ، وإنما يحسن الكلام للحي العاقل لما يكلم به وتقريره وإلزامه بما يقدر عليه ، مع أنه قد جاء في الخبر أن كل مسائل ترد إليه الحياة عند مساءلته ليفهم ما يقال له فالخبر بذلك أكد ما في العقل ولو لم يرد خبر بذلك لكفى حجة العقل فيه . وقال في موضع آخر من شرح العقائد : الذي ثبت من الحديث في هذا الباب أن الأرواح بعد الأجساد على ضربين ، منها ما ينقل إلى الثواب والعقاب ، ومنها ما يبطل فلا يشعر بثواب ولا عقاب .
حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 379 | السيد عبد الله شبر