قال بعض المتأخرين منهم : حكي إنكار ذلك عن ضرار بن عمر ، وإنما نسب إلى المعتزلة وهم برآء منه ، لمخالطة ضرار إياهم وتبعه قوم من السفهاء من المعاندين للحق ، ونحوه قال في المواقف . وقال المحقق الدواني في شرح العقائد العضدية : عذاب القبر للمؤمن والفاسق والكافر حق لقوله تعالى :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
وقوله تعالى :
رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
ولقوله عليه السّلام إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن النار ، فيقال هذا مقعدك حتى نبعثك يوم القيامة . وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه ، وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران .
وقال الغزالي في الاحياء : اعلم أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا :
المقام الأول : وهو الأظهر والأصح أن تصدق بأن الحية مثلا موجودة تلدغ الميت ، ولكنا لا نشاهد ذلك فإن تلك العين لا تصلح لمشاهدة تلك الأمور الملكوتية ، وكلما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت ، أما ترى أن الصحابة كيف كانوا يؤمنون بنزول جبرائيل وما كانوا يشاهدونه ويؤمنون أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يشاهده ، فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح الإيمان بالملائكة والوحي عليك أوجب ، وإن آمنت به وجوزت أن يشاهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما لا تشاهده الأمة فكيف لا تجوّز هذا في الميت .
المقام الثاني : أن تتذكر أمر النائم ، فإنه يرى في نومه حية تلدغه وهو يتألم بذلك حتى يرى في نومه يصيح ويعرق جبينه ، وقد ينزعج من مكانه كل ذلك يدرك من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان وأنت ترى ظاهره ساكنا ولا ترى في حواليه حية ، والحية موجودة في حقه والعذاب حاصل ولكنه في حقك غير مشاهد ، وإن كان العذاب ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد .
المقام الثالث : إن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها هو السم ، ثم السم ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم ، فلو حصل ذلك من غير سم فكان ذلك العذاب قد توفر ، وقد لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضي إليه في العادة والصفات المهلكات تنقلب مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت ، فتكون آلامها كآلام لدغ الحيات من غير وجود الحيات .
فإن قلت ما الصحيح من هذه المقامات الثلاثة ، فاعلم أن من الناس من لم يثبت إلا الثالث ، وإنما الحق الذي انكشف لنا من طريق الاستبصار أن كل ذلك في حيز الإمكان ،