ضروريات الدين لم يخالف فيه أحد من المسلمين ، فلعل الروح من هذا القبيل وعلى تقدير كونها في السماء كما دلت عليه بعض الأخبار يمكن أن يكون تعلقها بالروح الحيوانية المنبعثة من القلب السارية في البدن ، وبخروج الروح الحيوانية من البدن ينعدم تعلقها بالبدن ، وبعود البدن يرجع تعلقها . وحيث دلت الأخبار الكثيرة على الجسد المثالي فيمكن من حيث الروح ان تحتاج إلى آلة في الأعمال ان تتعلق بذلك الجسد المثالي بعد مفارقتها البدن ، والثواب والعقاب والذهاب والرجوع في العالم البرزخي في ذلك البدن . بل ذهب جملة من المحققين إلى أن الجسد المثالي موجود في هذا العالم أيضا ، وهو مماثل لهذا البدن « 1 » في المقدار فيه ، أو خارج عنه . ولما كانت النفوس ضعيفة لا تقدر على التصرف التام في كلا البدنين ، كان تعلقها في الحياة واليقظة بهذا البدن أكثر ، وفي النوم بالمثالي أكثر وبه تعرج الروح إلى العالم العلوي وتطلع على الألواح السماوية وتسير إلى المشرق والمغرب وتجتمع مع النفوس المقدسة العلوية وتلهم من علومهم ، وإن كانت شريرة اجتمعت مع الشياطين ورسخ فيها تسويلاتهم ، كما قال تعالى :
إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ
بل لعل النفوس القوية كنفوس الأنبياء والأوصياء تتصرف في الأجساد المثالية في حال الحياة أيضا ، كما دلت الأخبار الكثيرة على أنهم عليهم السّلام يحضرون عند كل ميت في شرق الأرض وغربها ، ولو مات ألوف في آن واحد ، وبذلك يجمع بين الأخبار في هذا المضمار ، وعلى القول بتجرد الروح فالاحتياج إلى القول بالجسد المثالي أشد ، وبدونه يشكل فهم الآيات والأخبار الواردة في ثواب القبر وعذابه واتساعه وضيقه ، وحركة الروح وطيرانه في الهواء ، وزيارته لأهله ورؤية الأئمة بأشكالهم ، ومشاهدة أعدائهم معذبين ، وسائر ما ورد في أمثال ذلك فالمراد بالقبر حينئذ في أكثر الأخبار ما يكون الروح فيه في عالم البرزخ ، وهو ينم على القول بتجسد الروح وتجردها مع ورود الأجساد المثالية في الأخبار المعتبرة ، وليس هذا من التناسخ الباطل في شيء كما توهم إذ العمدة في نفي التناسخ ضرورة الدين وإجماع المسلمين ، وقد قال بالأبدان المثالية كثير من المسلمين من المتكلمين والمحدثين ، ودلت عليه أخبار الأئمة الطاهرين ، والتناسخية إنما كفروا بإنكارهم المعاد والثواب والعقاب وقولهم بقدم النفوس وترددها في أجسام هذا العالم
هامش
( 1 ) لا يبعد القول بتعلق الروح بالأجساد المثالية عند النوم أيضا كما يشهد به ما يرى في المنام وقد وقع في الأخبار تشبيه حالة البرزخ وما يجري فيها بحالة الرؤيا وما يشاهد فيها ، بل يمكن أن تكون للنفوس القوية العالية أجساد مثالية كثيرة كأئمتنا عليهم السّلام ، حتى لا يحتاج إلى كثير تأويل في حضورهم عند كل ميت منه .