وضرب مثلهم حيث ضربوا للّه مثلا وقالوا لا يقدر أحد على مثل هذا قياسا للغائب على المشاهد ، فقال في المشاهد الخلق يكون بالآلات البدنية والانتقالات المكانية فلا تقع إلا في الأزمنة الممتدة واللّه يخلق بكن فيكون . انتهى .
5 - الروح ومنزلة البدن منها :
اعلم أنه قد اختلف في معنى الروح على أقوال شتى وآراء مختلفة أنهاها بعضهم إلى أربعين قولا ، والذي عليه أكثر المحققين أن الإنسان مركب من روح وبدن ، وهما جوهران حقيقتهما مختلفتان وبينهما علاقة تامة مع نهاية البعد ، فإن الروح مخلوقة مما خلق منه الملائكة من العالم العلوي ، والبدن مخلوق من التراب والعالم السفلي ، ولكل منهما عمل وأثر ليس للآخر ، فأفعال البدن الرؤية والسماع والرائحة والقول والنوم واللمس ونحوها مما يدرك بالحواس الظاهرة والقوى والأعضاء ، وآثار الروح اللذة والألم والصفات والملكات والفهم والعلم والاعتقادات ، ولذا لا يوصف البدن بالشجاعة والكرم والعلم والإيمان ونحوها ، بل الأفعال الجزئية الحسية من الرؤية والسماع ونحوهما أفعال الروح أيضا ، وإنما تصدر عنها بواسطة الأعضاء والجوارح التي هي كالآلة للروح ، ولذا تقول رأيت بعيني وسمعت بأذني وقلت بلساني ، فتخبر عن روحك بأن هذه الأفعال صدرت منها بواسطة هذه الأعضاء ، كما تقول كتبت بالقلم في كون القلم آلة للكتابة ، وربما قيل إن هذه الأفعال تصدر من الروح بدون واسطة الأعضاء والجوارح ، كما يدرك النائم ويرى ويسمع ويضرب ويأكل ويشرب بدون هذه الأعضاء الظاهرة ، وفيه كلام ليس هذا محله . وبالجملة فالإنسان في الحقيقة عبارة عن الروح ، والبدن بمنزلة الآلة بل هو هي ، وقيل إن الروح في البدن كالسراج في الفانوس ، فإن النور كله من السراج والفانوس حائل ظلماني ، ولو شوهدت السراج بدونه لظهر جمالها وضوؤها أكثر ، وكذا الروح من دون حيلولة البدن شعاعها وجمالها أكثر ، وكما أن الفانوس نقص في ضياء السراج فكذا البدن نقص في جمال الروح ، وإنما احتيج إلى الفانوس لحفظ السراج من الرياح ، ولذا لم تحتج الشمس والمشعل إلى فانوس ، وكذا الإنسان إذا كان مريضا يضره الهواء والبرد احتاج إلى اللحاف زيادة على البدن ، وإذا كان صحيحا لم يحتج إلى ذلك .
وروي عن الصادق عليه السّلام : ان روح المؤمن وبدنه كالجوهرة في الصندوق ، فإذا رفعت الجوهرة من الصندوق رمي بالصندوق ولم يعتن به .
وحاصل الخلاف في الروح يرجع إلى أنه هل هي جسم أو جسماني ، أو ليست