يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين :
أولهما : انه بعد العدم لم يبق شيء فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود ، وأجاب تعالى عن هذه الشبهة بقوله
الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا كذلك يعيده وإن لم يكن شيئا مذكورا .
وثانيهما : إن من تفرقت أجزاؤه في مشارق الأرض ومغاربها وصار بعضه في أبدان السباع ، وبعضه في جدران الرباع ، كيف يجمع ، وأبعد من هذا هو ان إنسانا إذا أكل إنسانا وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل ، فإن أعيد ، فأجزاء المأكول إما ان تعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء يخلق منها أعضاء ، وأما ان يعاد إلى بدن المأكول منه فلا يبقى للآكل أجزاء يخلق منها أعضاء ، فقال تعالى في إبطال هذه الشبهة
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
ووجهه ان في الآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك ، فإذا أكل إنسان إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلة من أجزاء الآكل ، والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان له قبل الأكل واللّه بكل شيء عليم ، يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل وينفخ فيها روحه ، ويجمع الأصلية للمأكول وينفخ فيها روحه ، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع المتبددة في الأصقاع بحكمته الشاملة وقدرته الكاملة ، ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال إنكارهم وعنادهم ، فقال الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ، ووجهه هو ان الإنسان مشتمل على جسم يحسّ به حياة سارية فيه وهو الحرارة جارية فيه ، فإن استبعدتم وجود حرارة وحياة فيه فلا تستبعدوه فإن النار في الشجر الأخضر الذي يقطر منه الماء أعجب وأغرب ، وأنتم تحضرون حيث منه توقدون ، وإن استبعدتم خلق جسمه فخلق السماوات والأرض أكبر من خلق أنفسكم فلا تستبعدوه ، فإن اللّه خلق السماوات والأرض فبان لطف قوله تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
« 1 » . وقوله تعالى :
أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
وقدم ذكر النار في الشجر على ذكر الخلق الأكبر لأن استبعادهم كان بالصريح واقفا على الإحياء حيث قالوا من يحيي العظام ولم يقولوا من يجمعها ويؤلفها ، والنار في الشجر مناسب الحياة وقوله الخلاق إشارة إلى أنه في القدرة كامل وقوله العليم إشارة إلى أنه بعلمه شامل ثم أكد بيانه بقوله
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
فهذا إظهار فساد تمثيلهم وتشبيههم
هامش
( 1 ) سورة يس ؛ الآية : 78 .