تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
ولذا ترى في عشق المجاز إذا ضرب المعشوق محبه ضربا وجيعا على جهة الإكرام فهو أشهى عنده من كل ما يستلذ منه سائر الأنام . فإذا كان مثل ذلك في المجاز ففي الحقيقة أولى وأحرى ، فإذا فهمت ذلك عرفت أن أولياء اللّه في الدنيا أيضا في الجنة والنعيم إذ هم في عبادة ربهم متلذذون بقربه ووصاله ، وفي التنعم بنعيم الدنيا إنما يتلذذون لكونه مما خلق لهم ربهم ومحبوبهم وحباهم بذلك ورزقهم وأعطاهم ، وفي البلايا والمصائب أيضا يتلذذون بمثل ذلك لأنهم يعلمون أن محبهم ومحبوبهم اختار ذلك لهم وعلم فيه صلاحهم ، فبذلك امتحنهم فهم بذلك راضون شاكرون ، فتنعمهم بالبلايا كتمتعهم بالنعم والهدايا إذ جهة الاستلذاذ فيهما واحدة عندهم ، فهم في الدنيا وفي الآخرة بقربه ولطفه وحبه يتنعمون ، وفيهما لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فإذا فازوا بهذه الدرجة القصوى ووصلوا إلى تلك المرتبة الفضلى لا يعبدونه تعالى خوفا من ناره وأنها محرقة ، بل لأنها دار الخذلان والحرمان ومحل أهل الكفر والعصيان ومن سخط عليه الرحمن ، ولا طمعا في جنته من حيث كونها محل المشتهيات النفسانية والملاذ الجسمانية ، بل من حيث إنها محل رضوان اللّه وأهل كرامته وقربه ولطفه ، فلو كانت النار محل أهل كرامة اللّه وقربه ولطفه لاختاروها كما اختاروا في الدنيا محنها ومشاقها لعلمهم بأن رضى اللّه فيها ، ولو كانت الجنة محل غضب اللّه لتركوها وفروا منها كما تركوا ملاذ الدنيا لما علموا أن محبوبهم لا يرتضيها . وإذا دريت ذلك حق درايته سهل عليك الجمع بينما ورد من عدم كون العبادة للجنة والنار والمبالغة في طلب الجنة والاستعاذة من النار . وما ورد في بعض الروايات والدعوات من التصريح بكون العبادة لابتغاء الدار الآخرة ، فإن من طلب الآخرة لقربه ووصاله لم يطلب إلا وجهه ، ومن طلبها لاستلذاذه وتمتعه الجسماني لم يعبد إلا نفسه . انتهى كلامه رحمه اللّه .

3 - الآيات القرآنية الواردة في المعاد :

إن اللّه سبحانه للطفه ورأفته بعباده قد أكثر ذكر المعاد في القرآن الكريم والفرقان العظيم بطرق عديدة وسبل سديدة ، لصعوبته على الأفهام وكثرة ما فيه من الشبه والأوهام ، فتارة حكم تعالى بأنه كائن لا محالة من دون ذكر دليل ، بل إنه يجب الاذعان به والتصديق من دون تطلب دليل لذلك سيما بالنسبة إلى الأعوام والضعفاء ، كما في قوله تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
« 1 » . وقوله تعالى :
أَنَّ اللَّهَ
هامش
( 1 ) سورة الزلزلة ؛ الآيتان : 7 - 8 .