أسمعي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي وذكري من عزف البرابط والمزامير ، فترفع صوتا لم تسمع الخلائق بمثله قط من تسبيح الرب .
وقال الصدوق في العقائد : وهم يعني أهل الجنة أنواع على مراتب ، منهم المتنعمون بتقديس اللّه وتسبيحه وتكبيره في جملة ملائكته ، ومنهم المتنعمون بأنواع المآكل والمشارب والفواكه والأرائك والحور العين ، واستخدام الولدان المخلدين ، والجلوس على النمارق والزرابي ، ولباس السندس والحرير كل منهم إنما يتلذذ بما يشتهي ويريد حسب ما تعلقت عليه همته ويعطى ما عبد اللّه من أجله . وقال الصادق عليه السّلام : إن الناس يعبدون اللّه على ثلاثة أصناف ، صنف منهم يعبدونه رجاء ثوابه فتلك عبادة الخدام ، وصنف منهم يعبدونه خوفا من ناره فتلك عبادة العبيد ، وصنف منهم يعبدونه حبا له فتلك عبادة الكرام .
وقال الشيخ المفيد رحمه اللّه في شرح هذا الكلام : ثواب أهل الجنة الالتذاذ بالمآكل والمشارب والمناظر والمناكح وما تدركه حواسهم مما يطيعون على الميل إليه ويدركون مرادهم بالظفر به ، وليس في الجنة من البشر من يلتذ بغير مأكل ومشرب وما تدركه الحواس من الملذذات ، وقول من زعم أن في الجنة بشرا يلتذ بالتسبيح والتقديس من دون الأكل والشرب قول شاذ عن دين الإسلام ، وهو مأخوذ من قول النصارى الذين زعموا أن المطيعين في الدنيا يصيرون في الجنة ملائكة لا يطعمون ولا يشربون ولا ينكحون ، وقد اكذب اللّه هذا القول في كتابه بما رغب العالمين فيه من الأكل والشرب والنكاح ، فقال :
أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا
الآية وقال تعالى :
فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
الآية وقال :
حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ
وقال :
بِحُورٍ عِينٍ
وقال :
وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ
وقال :
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ
وقال :
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ
« 1 »
وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ
فكيف استجاز من أثبت في الجنة طائفة من البشر لا يأكلون ولا يشربون ويتنعمون مما يتنعم به الخلق من الأعمال ويتألمون ، وكتاب اللّه شاهد بضد ذلك ، والاجماع على خلافه ، لولا أن قلد في ذلك من لا يجوز تقليده أو عمل على حديث موضوع . انتهى كلامه وهو جيد متين وجوهر ثمين .
قال العلامة المجلسي رحمه اللّه بعد نقله ، وهو في غاية المتانة . وأما استدلال الصدوق
هامش
( 1 ) سورة يس ؛ الآية : 55 .