بقوله عليه السّلام وصنف يعبدونه حبا له ، على أنهم لا يتلذذون بالمآكل والمشارب والمناكح في الجنة . فهو ضعيف إذ عدم كون الجنة مقصودة لهم عند العبادة لا تستلزم عدم تلذذهم بنعيمها في الآخرة ، فإن قيل ، إذا ارتفعت هممهم في الدنيا مع تشبثهم بعلائقها عن أن ينظروا مع محبة اللّه سبحانه وقربه إلى جنة ونار وفي الآخرة مع قطع علائقهم ودواعيهم وقوة أسباب المحبة والقرب أحرى أن لا ينظروا إليهما ولا يتلذذوا بشهوات الجنة وملاذها . قلت التلذذ بالمستلذات الجسمانية أيضا مراتب ودرجات بحسب اختلاف أحوال أهل الجنة ، فمنهم من يتلذذ بها كالبهائم يرتعون في رياضها ويتمتعون بنعيمها ، كما كانوا في الدنيا من غير استلذاذ بقرب ووصال أو إدراك لمحبة وكمال .
ومنهم من يتمتع بنعيمها من حيث إنها دار كرامة اللّه التي اختارها لأوليائه وأكرمهم بها ، ومحل رضوان اللّه تعالى وقربه ، فمن كل ريحان يستنشقون نسيم لطفه ، ومن كل فاكهة يذوقون طعم رحمته ، ولا يستلذون بالحور إلا لأنه أكرمهم بها الرب الغفور ، ولا يسكنون في القصور إلا لأنه رضيها لهم المالك الشكور .
فالجنة جنتان روحانية وجسمانية ، والجنة الجسمانية قالب للجنة الروحانية ، فمن كان في الدنيا يقنع من العبادات والطاعات بجسد بلا روح ولا يعطيها حقها من المحبة والإخلاص وسائر مكملات الأعمال ، ففي الآخرة أيضا لا ينتفع إلا بالجنة الجسمانية ، ومن فهم في الدنيا روح العبادة وأنس بها واستلذ منها وأعطاها حقها فهو في الجنة الجسمانية لا يستلذ إلا بالنعم الروحانية ، ولنضرب لك في ذلك مثلا لمزيد الإيضاح ، فنقول ربما يجلس بعض سلاطين الزمان على سريره ويطلب عامة رعاياه ووزراءه وأمراءه ومقربي حضرته ويعطيهم شيئا من الحلاوات ، فكل صنف من أصناف الخلق ينتفع بما يأخذه من ذلك نوعا من الانتفاع ، ويلتذ ويتلذذ نوعا من الالتذاذ على حسب معرفته بعظم السلطان ورتبة انعامه ، فمنهم جاهل لا ينتفع بذلك إلا أنه حلو ترغب الذائقة فيه ، فلا فرق في ذلك عنده بين أن يأخذه من بائعه في السوق أو من يد السلطان ، ومنهم من يعرف شيئا من عظمة السلطان ويريد بذلك الفخر على بعض أمثاله ، أو من تحت يده ، ان السلطان أكرمني بذلك ، وهكذا حتى ينتهي الأمر إلى من هو من مقربي حضرة السلطان ومن طالبي لطفه وإكرامه ، فهو لا يلتذ بذلك إلا لأنه خرج من يد السلطان وأنه علامة لطفه وإكرامه ، فهو مضنّ بذلك ويخفيه ويفتخر بذلك ويبديه مع أن في بيته أضعاف ذلك مبذولة لخدمه وعبيده ، فهو لا يجد من الحلاوة إلا طعم القرب والإكرام ، ولو جعل السلطان علامة إكرامه في بذل أمرّ الأشياء وأبشعها لكان عنده أحلى من جميع الحلاوات .
حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 344
مساهمون: السيد عبد الله شبر
ص٣٤٤