على نفيه ، قال في كتاب النجاة والشفاء إنه يجب أن يعلم أن المعاد منه ما هو مقبول من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلا من طرق الشريعة وتصديق خبر النبوة ، وهي الذي للبدن عند البعث وخيراته وشروره معلوم لا يحتاج إلى أن يعلم ، وقد بسطت الشريعة الحقة التي أتانا بها سيدنا ومولانا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن ، ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني ، وقد صدقه النبوة وهو السعادة والشقاوة الثابتتان بالقياس إلى نفس الأمر وإن كان الأوهام منا تقصر عن تصورهما الآن ، وسياق هذا الكلام مشعر بأن إثباته للمعاد الروحاني ليس من حيث الحكمة بل من حيث الشريعة ، فإن التمسك بالدلائل النقلية ليس من وظائف الفلسفة ، فلا يتوهم ان إثباته من المسائل الحكمية وهو أراد أن يجمع بين الفلسفة والشريعة انتهى .
أقول : القول بالمعاد الجسماني والروحاني معا أقوى المذاهب ، وهو الذي دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث المعصومية وأيدته المؤيدات العقلية ، حيث إن الكاسب للطاعات والمعاصي البدن والروح معا فينبغي عودهما معا ، وقد دل السمع دلالة قطعية على الجسماني كما عرفت وستعرف فهو حق ، واستفاض النقل مؤيدا للعقل بأن الروح جوهر لطيف نوراني مغاير للبدن ، وأنها تبقى بعد خرابه مبتهجة مسرورة حية مرزوقة أو بالعكس ، فالروحاني أيضا حق قال اللّه تعالى :
كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ
وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ
لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي
وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ،
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ،
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ،
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
.
وروى العياشي في تفسيره عن ثوير عن علي بن الحسين قال : إذا صار أهل الجنة في الجنة ، ودخل ولي اللّه إلى جناته ومسكنه ، واتكى كل مؤمن منهم على أريكة حفته خدامه ، وتهدلت عليه الثمار ، وتفجرت حوله العيون ، وجرت من تحته الأنهار ، وبسطت له الزرابي ، وصفّت له النمارق ، وأتته الخدام بما شاءت شهوته من قبل أن يسألهم ذلك ، قال : ويخرج عليهم الحور العين من الجنان فيمكثون بذلك ما شاء اللّه ، ثم إن الجبار يناديهم فيقول لهم أوليائي وأهل طاعتي وسكان جنتي في جواري ، ألا هل آتيكم بخير مما أنتم فيه ، فيقولون ربنا وأي شيء خير مما نحن فيه ، نحن فيما اشتهت أنفسنا وأعيننا من النعم في جوار الكريم ، قال فيعود عليهم بالقول ، فيقولون ربنا نعم فأتنا بخير مما نحن فيه ، فيقول لهم تبارك اللّه وتعالى رضاي عنكم ومحبتي لكم خير وأعظم مما أنتم فيه ، قال فيقولون نعم ربنا رضاك عنا ومحبتك لنا خير لنا وأطيب لأنفسنا ، ثم قرأ علي بن الحسين