تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
الفلاسفة تمسكا بامتناع إعادة المعدوم ولم يقيموا دليلا على ذلك ولا برهانا شافيا هنالك ، بل تمسكوا تارة في مثل هذا المطلب العظيم والأمر الجسيم في مقابلة الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة المعصومية بالبداهة ، وتارة بشبهات واهية أوهن من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت . والعقل والنظر الصريح يحكم بالمعاد ، إذ لو لم يجب المعاد والجزاء لكان التكليف عبثا إذ الإيقاع في مشقة التكليف بلا أجر ولا جزاء ولا ثواب عبث بل ظلم صريح ، فتنتفي الحكمة وهو محال . ولولا المعاد لذهبت مظالم العباد وتساوى أهل الصلاح والفساد وضاعت الدماء ، ولم تبق ثمرة لإرسال الأنبياء ولم يحسن الوعد والوعيد والترغيب والتهديد ، ولساوى أفضل الأنبياء في الفضيلة أشقى الأشقياء ، لأن ما وقع في هذه الحياة الدنيا من الراحة والعناء والفقر والغنى والمرض والصحة ليس بجزاء بل هو امتحان وابتلاء ، كما قال تعالى :
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
وقال تعالى :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ
وقال تعالى :
أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
والكاسب للطاعات والمعاصي البدن والروح معا فيجب عودهما معا للجزاء .

2 - القول بالمعاد الجسماني والروحاني معا :

قال المحقق الدواني رحمه اللّه : اعلم أن المعاد الجسماني مما يجب الاعتقاد به ويكفر منكره ، أما المعاد الروحاني أعني التذاذ النفس بعد المفارقة وتألمها باللذات والآلام العقلية ، فلا يتعلق التكليف باعتقاده ولا يكفر منكره ولا منع شرعا ولا عقلا من إثباته . قال الإمام في بعض تصانيفه : أما القائلون بالمعاد الروحاني والجسماني معا فقد أرادوا أن يجمعوا بين الحكمة والشريعة ، فقالوا دل العقل على أن سعادة الأرواح بمعرفة اللّه تعالى ومحبته ، وأن سعادة الأجساد في إدراك المحسوسات ، والجمع بين هاتين السعادتين في هذه الحياة غير ممكن ، لأن الإنسان مع استغراقه في تجلي أنوار عالم القدس لا يمكنه أن يلتفت إلى شيء من اللذات الجسمانية ، ومع استغراقه في استيفاء هذه اللذات لا يمكنه أن يلتفت إلى اللذات الروحانية ، وإنما تعذر هذا الجمع لكون الأرواح البشرية ضعيفة في هذا العالم ، فإذا فارقت بالموت واستمدت من عالم القدس والطهارة قويت وصارت قادرة على الجمع بين الأمرين ، ولا شبهة في أن هذه الحالة هي الحالة القصوى عن مراتب السعادات ، قلت هذا الكلام مشعر بأن إثبات الروحاني إنما هو من حيث الجمع بين الشريعة والفلسفة ، فإثباتهما ليس من المسائل الكلامية . وهذا كما أن الرئيس أبا علي مع إنكاره للمعاد الجسماني على ما هو بسط في كتاب المعاد وبالغ فيه وأقام الدليل بزعمه