تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
أحدهما : إن اللّه تعالى يعدم أجزاء الخلق ثم يعيدها . وثانيهما : انه تعالى يميتهم ويفرق أجزاءهم ، ثم إنه تعالى يجمعها ويرد الحياة إليها ، ثم قال والدليل على جواز الإعادة في الجملة أنّا قد دللنا فيما مضى أن اللّه تعالى قادر على كل الممكنات ، عالم بكل المعلومات من الجزئيات والكليات ، والعلم بهذه الأصول لا يتوقف على العلم بصحة المعاد البدني ، وإذا كان كذلك أمكن الاستدلال بالسمع على صحة المعاد ، لكن نعلم باضطرار اجماع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم على إثبات المعاد البدني ، فوجب القطع بوجود هذا المعاد . وقال العلامة رحمه اللّه في شرح الياقوت : اتفق المسلمون على إعادة الأجساد خلافا للفلاسفة ، واعلم أن الإعادة تقال بمعنيين : الأول : جمع الأجزاء وتأليفها بعد تفرقها وانفصالها . الثاني : إيجادها بعد اعدامها . وقال المحقق رحمه اللّه الدواني في شرح العقائد العضدية : والمعاد أي الجسماني فإنه المتبادر عن إطلاق أهل الشرع ، إذ هو الذي يجب الاعتقاد به ويكفر من أنكره حتى بإجماع أهل الملل الثلاث وشهادة نصوص القرآن في المواضع المتعددة ، بحيث لا يقبل التأويل كقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
- إلى قوله -
بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
« 1 » . قال المفسرون نزلت هذه الآية في أبي بن خلف ، خاصم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأتاه بعظم قد رمّ وبلي ، ففته بيده وقال يا محمد أترى اللّه يحيي هذا بعد ما رمّ ، فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نعم ويبعثك ويدخلك النار . وهذا مما يقلع عرق التأويل بالكلية ، ولذلك قال الإمام : الإنصاف أنه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي وبين إنكار الحشر الجسماني ، قلت ولا الجمع بين القول بقدم العالم على ما يقوله الفلاسفة وبين الحشر الجسماني ، لأن النفوس الناطقة على هذا التقدير غير متناهية فيستدعي حشرها جميعا أبدانا غير متناهية وأمكنة غير متناهية ، وقد ثبت تناهي الأبعاد بالبرهان انتهى . وكيف كان فالقول بالمعاد الجسماني مما اتفق عليه جميع المليين ، وهو من ضروريات الدين ومنكره خارج عن عداد المسلمين ، والآيات الكريمة في ذلك ناصة لا يعقل تأويلها ، والأخبار فيه متواترة لا يمكن ردها ولا الطعن فيها ، وقد نفاه أكثر ملاحدة
هامش
( 1 ) سورة يس ؛ الآية : 77 .