تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
في قتل عثمان ، وإن لم يكن حجة فكيف يستدلون به على حقية خلافة أبي بكر ، وأيضا وقد استدلوا بعدم منازعة أمير المؤمنين في بيعة أبي بكر على حقيتها ، فكيف لم يجعلوا عدم منازعة أمير المؤمنين قتلة عثمان دليلا على حقيتهم ، إن هذا لعجيب وأي عجيب وغريب وأي غريب . وأما ما استبعدوه من عدم نزاع أمير المؤمنين عليه السّلام من تغلب عليه مع قوته وشجاعته فقد عرفت أنه ادعى أولويته بالخلافة مرة بعد أخرى ، وكرة بعد أولى ، وأما تركه لمحاربتهم ومقاتلتهم كما فعل ذلك بمعاوية وعائشة والزبير وطلحة وأهل النهروان فله عندنا محامل صحيحة : أولها : إنه عليه السّلام تابع رب العالمين في صبره وحلمه على الكفار والمنافقين والمشركين والعاصين ، ومن ادعى الربوبية والنبوة من الكاذبين حيث أمهلهم مددا مديدة ودهورا عديدة ، مع اطلاعه على أحوالهم وعلمه بسرائرهم وعلانيتهم وقدرته عليهم . ثانيها : التأسي بسيد المرسلين ، حيث إنه صبر في أوائل الإسلام على اذى المشركين ، وتحمل غاية التعب ومنتهى المشاق وأنواع الأذى ، وصبر على مقاتلتهم ومحاربتهم ، ولم يدع اللّه تعالى على إهلاكهم مع إعلامه تعالى إياه بأحوالهم ، وبقي الإسلام ضعيفا في أوائله إلى اثنتي عشرة سنة ، ثم بعد ذلك قوي الإسلام وكثرت شوكة المسلمين فأمر بمحاربة الكفار ومقاتلتهم . ثالثها : التأسي بهدى الأنبياء الماضين والرسل السالفين ، كما قال تعالى :
فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
كما روي أن قوما من الناس قالوا ما بال علي لم ينازع أبا بكر وعمر وعثمان كما حارب طلحة والزبير ، فبلغ الخبر أمير المؤمنين عليه السّلام فأمر أن ينادي بالصلاة جماعة ، فلما اجتمع الناس قام فيهم خطيبا ، فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه وذكر النبي وصلّى عليه ، ثم قام فقال معاشر الناس بلغني أن قوما قالوا ما بال علي لم ينازع أبا بكر وعمر وعثمان كما نازع طلحة والزبير ، إلا وان لي في سبعة من أنبياء اللّه أسوة ، أولهم نوح إذ قال اللّه تعالى مخبرا عنه :
أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ
فإن قلتم ما كان مغلوبا كفرتم وكذبتم القرآن ، وإن كان نوح مغلوبا فعلي أعذر . الثاني : إبراهيم حيث يقول :
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 1 » فإن قلتم انه اعتزلهم من غير مكروه كفرتم ، وإن قلتم رأى المكروه منهم فاعتزلهم فأنا اعذر .
هامش
( 1 ) سورة مريم ؛ الآية : 48 .