تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
يخطه ، وكان يأتدم إذا ائتدم بملح أو خل فإذا ترقى عن ذلك فببعض نبات الأرض ، فإذا ارتفع عن ذلك فقليل من ألبان الإبل ولا يأكل اللحم إلا قليلا ، وهو الذي طلق الدنيا . وقال ابن أبي رافع دخلت عليه يوم عيد فقدم جرابا مختوما فوجدنا فيه خبز شعير مرضوضا فأكل ، فقلت يا أمير المؤمنين كيف تختمه وما عهدتك بخيلا ، قال خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو بزيت . وأما العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوما ومنه تعلم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد وقيام النافلة ، وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه ورده والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يمينا وشمالا فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من ورده ، وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده ، وقيل لعلي بن الحسين وكان في غاية من العبادة أين عبادتك من عبادة جدك ، فقال عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وأما قراءة القرآن والاشتغال به فهو المنظور إليه في هذا الباب ، واتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولم يكن غيره يحفظه ، ثم هو أول من جمعه وأئمة القرآن كلهم يرجعون إليه . وأما الرأي والتدبير فكان من أسد الناس رأيا وأصحهم تدبيرا ، وهو الذي أشار على عمر لما عزم أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم بما أشار ، وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث . وأما السياسة فإنه كان شديد السياسة خشنا في ذات اللّه ، لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاه إياه ، ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به ، ومن جملة سياسة حروبه في أيام خلافته بالجمل وصفين والنهروان وفي أقل القليل منها مقنع ، فإن كل سياسي في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه ، فهذه هي خصائص البشر ومزاياهم قد أوضحنا انه فيها الإمام المتبع فعله والرئيس المقتفى أثره . وما أقول في رجل يحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة ، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة ، وتصور ملوك الإفرنج صورته في بيعها وبيوت عباداتها حاملا سيفا مشمرا لحربه ، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها ، وكان على سيف عضد الدولة وركن الدولة صورته ، وكان على سيف ألب أرسلان وابنه ملك شاه صورته ، وكأنهم يتفاءلون به بالنصر والظفر .