قطّ ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز أحدا إلا قتله ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية ، وفي الحديث كانت ضرباته وترا . ولما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما ، قال ابن العاص لقد أنصفك ، فقال معاوية ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق ، أراك طمعت في إمارة الشام بعدي . وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته ، وجملة الأمر أن كل شجاع إليه ينتهي وباسمه ينادي في مشارق الأرض ومغاربها . وأما القوة والأيد فبه تضرب الأمثال فيهما وهو الذي قلع باب خيبر واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه ، وهو الذي قلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته بيده بعد عجز الجيش كله عنها وأنبط الماء من تحتها . وأما السخاء والجود فحاله فيه ظاهر ، كان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده وفيه أنزل :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
« 1 » . وروى المفسرون أنه لم يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية ، فأنزل اللّه فيه :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً
« 2 » .
وروي عنه أنه كان يستقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت يده ويتصدق بالأجرة ويشد على بطنه حجرا .
وأما الحلم والصفح فكان أحلم الناس عن ذنب وأصفحهم عن مسيء ، وقد ظهر صحة ما قلناه يوم الجمل حيث ظفر بمروان بن الحكم وكان اعدى الناس له وأشدهم بغضا فصفح عنه ، ثم ذكر شطرا كثيرا من ذلك إلى أن قال ، وأما الجهاد في سبيل اللّه فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين ، فهل الجهاد لأحد من الناس إلا له وهذا من المعلومات بالضرورة كالعلم بوجود مكة والمدينة ومصر ونحوها .
وأما الفصاحة فهو إمام الفصحاء وسيد البلغاء وعن كلامه قيل دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق .
وأما سماحة الأخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيا والتبسم فهو المضروب به المثل ، إلى أن قال وأما الزهد في الدنيا فهو سيد الزهاد وبدل الأبدال وإليه تشدّ الرحال ، ما شبع من طعام قط وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا ، وكان ثوبه مرقعا بجلد تارة وبليف أخرى ونعلاه من ليف ، وكان يلبس الكرابيس الغليظة فإذا وجد كمه طويلا قطعه بشفرة ولم
هامش
( 1 ) سورة الإنسان ؛ الآية : 8 .
( 2 ) سورة البقرة ؛ الآية : 274 .