حتى شبعوا من ذلك وفضل لهم ، ونبع الماء من بين أصابعه فشرب أهل العسكر كلهم وهم عطاشى ، وتوضأ من قدح صغير ضاق أن يبسط فيه يده ، واهراق وضوئه في عين تبوك ولا ماء فيها فجرت بماء كثيرة ، ومرة أخرى في بئر الحديبية فجاشت بالماء فشرب من عين تبوك أهل الجيش وهم ألوف حتى رووا وقال لمعاذ إن طالت بك الحياة فترى ما هاهنا قد ملأ خياما فكان كذلك ، وشرب من بئر حديبية ألف وخمسمائة ولم يكن فيها قبل ذلك ماء ، وأمر بعض أصحابه أن يزوّدوا أربعمائة راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة البعير وهو موضع بروكه فزودهم كلهم منه وبقي بحسبه ، ورمى الجيش بقبضة من تراب فعميت عيونه ونزل بذلك القرآن في قوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 1 » .
وأبطل الكهانة بمبعثه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فعدمت وكانت ظاهرة موجودة ، وحنّ الجذع الذي كان يخطب مستندا إليه لما عمل له المنبر حتى سمعه جميع أصحابه مثل صوت الإبل فضمه إليه فسكن ، ودعا اليهود إلى تمني الموت وأخبرهم بأنه لا يتمنونه فحيل بينهم وبين النطق بذلك فعجزوا عنه وهذه الآية مذكورة في سورة يقرأ بها في جميع جوامع أهل الإسلام من شرق الأرض إلى غربها يوم الجمعة جهرا تعظيما للآية التي فيها ، وأخبر صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالغيوب وأخبر عمارا بأنه ستقتله الفئة الباغية ، وأن الحسن عليه السّلام يصلح اللّه به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ، وأخبر عن رجل قاتل في سبيل اللّه تعالى أنه من أهل النار فظهر ذلك أن قتل ذلك الرجل نفسه ، وهذه أشياء لا تعرف البتة بشيء من وجوه تقدمت المعرفة لا بنجوم ولا بكهن ولا بكتب ولا بخط ولا بزجر لكن بإعلام اللّه ووحيه إليه .
واتبعه سراقة بن جشعم فساخت قدما فرسه في الأرض ، واتبعه دخان حتى استغاثه فدعا له فانطلقت الفرس وأنذره بأن سيوضع في ذراعيه سواري كسرى فكان كذلك ، وأخبر بموت النجاشي بأرض الحبشة وصلّى عليه بالمدينة ، وأخبر بمقتل الأسود العنسي الكذاب ليل قتله وهو بصنعاء اليمن وأخبر بمن قتله ، وخرج على مائة من قريش ينتظرونه فوضع التراب على رؤوسهم ولم يروه ، وشكا إليه البعير بحضرة أصحابه وتذلل له ، وقال لنفر من أصحابه مجتمعين أحدكم في النار ضر نفسه فماتوا كلهم على استقامة وارتد واحد منهم فقتل مرتدا ، وقال لآخرين منهم آخركم موتا في النار فسقط آخرهم موتا في النار فاحترق فيها فمات ، ودعا شجرتين فأتتاه فاجتمعتا ثم أمرهما فافترقتا ، ودعا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم النصارى إلى المباهلة فامتنعوا وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك هلكوا فعلموا صحة قوله فامتنعوا ، وأتاه
هامش
( 1 ) سورة الأنفال ؛ الآية : 17 .