الأول ، فهم يعزلونه تعالى عن ملكه وسلطانه وينسبون الحوادث إلى هؤلاء ، وعلى آخرين منهم قالوا إن اللّه سبحانه أوجد جميع مخلوقاته دفعة واحدة دهرية لا ترتيب فيها باعتبار الصدور ، بل إنما ترتبها في الأزمان فقط ، كما أنه لا تترتب الأجسام المجتمعة زمانا وإنما ترتيبها في المكان فقط . فنفوا عليهم السّلام كل ذلك وأثبتوا أنه تعالى :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
« 1 » ، من اعدام شيء وإحداث آخر ، وإماتة شخص وإحياء آخر إلى غير ذلك ، لأن لا يترك العباد التضرع إلى اللّه ومسألته وطاعته والتقرب إليه بما يصلح أمور دنياهم وعقباهم ، وليرجوا عند التصدق على الفقراء وصلة الأرحام وبر الوالدين والمعروف والإحسان ما وعدوا عليها من طول العمر وزيادة الرزق وغير ذلك .
وتوضيحه أن البداء المنسوب إليه تعالى معناه أن يبدو له في الشيء فيثبته بعد عدمه ، أو عكس ذلك مختارا مع علمه بأصله ، وعلمه بأنه سيفعله في المستقبل لأغراض ومصالح وغايات سبق العلم بها على التفصيل ، ولا يحدث له من معلومها شيء لم يكن معلوما له سابقا ليلزم نسبة الجهل إليه تعالى كما نطقت بذلك الأخبار ، ففي الصحيح عن الصادق عليه السّلام قال : ما بدأ اللّه في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له . وعنه عليه السّلام قال : إن اللّه لم يبدله من جهل فالبدء منه سبحانه لمحو المثبت وإثبات غير المثبت مسبوق بعلمه الأزلي ، وليس البداء مخصوصا بالمحو فقط بل يشمل الإثبات كما دلت عليه الآية والرواية ، وبالجملة فمرجع البداء المذكور إلى أنه سبحانه مختار على الإطلاق في عامة الأفعال والتكوينات مستمر التصرف والإرادات في كل الأمور وكافة الأحوال والشؤون ، فعلها وتركها وإحكامها ونقصها وتقديمها وتأخيرها جليلها وحقيرها قبيلها ودبيرها ، ولهذا لم يعبد اللّه ولم يعظم بشيء مثل البداء ، لأن مدار استجابة الدعاء والرغبة إليه سبحانه والرهبة منه وتفويض الأمور إليه والتعلق بين الخوف والرجاء والتصدق وصلة الرحم والأعمال الصالحة وأمثالها من أركان العبودية كلها على البداء .
الثاني : ما عليه السيد الداماد وحاصله ان البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع ، فما في الأمر التشريعي والأحكام التكليفية نسخ فهو في الأمر التكويني والمكونات الزمانية بداء ، فالنسخ كأنه بداء تشريعي ، والبداء كأنه نسخ تكويني ، وكما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره لا رفعه وارتفاعه عن وعاء الواقع ، فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ إثبات الاستمرار التكويني وانتهاء
هامش
( 1 ) سورة الرحمن ؛ الآية : 129 .