الفصل الثالث البداء ، وصف أحوال الملائكة ، كتب الله المنزلة
1 - معنى البداء :
قد تضافرت الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم صلوات الملك الغفار بالقول بالبداء ، ففي الكافي عن زرارة في الصحيح عن الباقر عليه السّلام والصادق عليه السّلام قال ما أعبد اللّه بشيء مثل البداء .
وفي رواية أخرى عن هشام بن سالم عن الصادق عليه السّلام قال : ما عظم اللّه بمثل البداء .
والأخبار بذلك كثيرة ، وليس البداء ما ظنه جهال العامة العمياء وطعنوا به على الفرقة المحقة من أنه ظهور الشيء بعد خفائه وحصول العلم به بعد الجهل به ، إذ ذلك لا يتفوه به إلا من عزل العقل عن الحكومة ، وجوز على اللّه أن يأمر بالقبيح ويفعله وينهى عن الحسن ويتركه كالأشاعرة كما عرفت من مذهبهم . وإنما البداء الذي ذهبوا إليه له معان صحيحة قد اتفقت عليها العقول وطابقها المنقول ودل عليها الكتاب والسنة كما استقصينا تلك المعاني في مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار نشير هنا إلى جملة منها وهي :
الأول : ما اختاره العلامة رحمه اللّه المحدث المجلسي وهو : أنهم عليهم السّلام إنما بالغوا في البداء ردا على اليهود القائلين إن اللّه قد فرغ من الأمر وعلى النظام ، وبعض المعتزلة القائلين إن اللّه خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا ، ولم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده والتقدم إنما يقع في ظهورها لا في حدوثها ووجودها ، وأخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون والبروز من الفلاسفة وعلى بعض الفلاسفة القائلين بالعقول والنفوس الفلكية وبأن اللّه تعالى لم يؤثر حقيقة إلا في العقل