تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
كما ذهب إليه الغلاة في الأئمة عليهم السّلام والمفوضة ، ويؤيد ذلك ما رواه الصدوق في العيون بإسناده عن يزيد بن عمير قال : دخلت على علي بن موسى الرضا عليه السّلام بمرو فقلت له يا بن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم روي لنا عن الصادق عليه السّلام أنه قال لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين فما معناه . فقال عليه السّلام : من زعم أن اللّه تعالى يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر ، ومن زعم أن اللّه عز وجل فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه عليهم السّلام فقد قال بالتفويض ، فالقائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك . فقلت له يا بن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فما أمر بين أمرين فقال : وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به ، وترك ما نهوا عنه . فقلت له فهل للّه عز وجل مشيئة وإرادة في ذلك . فقال : أما الطاعات فإرادة اللّه ومشيئته فيها الأمر بها والرضا بها والمعاونة عليها ، وإرادته ومشيئته في المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها ، فقلت فلله عز وجل فيها القضاء ، قال نعم ما من فعل يفعله العباد من خير وشر إلا وللّه تعالى فيه قضاء قلت فما معنى هذا القضاء ، قال الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة . السادس : ما اختاره العلامة المجلسي رحمه اللّه وتنطبق عليه أكثر اخبار الباب وهو : إن الجبر المنفي قول الأشاعرة والجبرية كما عرفت ، والتفويض المنفي هو قول المعتزلة إنه تعالى أوجد العباد وأقدرهم على أعمالهم وفوض إليهم الاختيار ، فهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيئتهم وقدرتهم وليس للّه سبحانه في أعمالهم صنع ، وأما الأمر بين الأمرين فهو أن لهدايته تعالى وتوفيقاته مدخلا في أفعالهم بحيث لا يصل إلى حد الالتجاء والاضطرار ، كما أن لخذلانه سبحانه مدخلا في فعل المعاصي وترك الطاعات لكن لا بحيث ينتهي إلى حد لا يقدر معه على الفعل والترك ، وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه في أحواله المختلفة ، وهو مثل أن يأمر السيد عبده بشيء يقدر على فعله وفهمه ذلك ، ووعده على فعله شيئا من الثواب وعلى تركه قدرا من العقاب ، فلو اكتفى بتكليف عبده بذلك ولم يزد عليه مع علمه بأنه لا يفعل الفعل بمحض ذلك لم يكن ملوما عند العقلاء لو عاقبه على تركه ولا ينسب عندهم إلى الظلم ، ولا يقول عاقل إنه أجبره على ترك الفعل . ولو لم يكتف السيد بذلك وزاد في ألطافه والوعد بإكرامه والوعيد على تركه ، وأكد ذلك ببعث من يحثه على الفعل ويرغبه فيه ويحذره على الترك ، ثم فعل ذلك بقدرته واختياره فلا يقول عاقل إنه أجبره على الفعل ، وأما الفعل ذلك بالنسبة إلى قوم وتركه بالنسبة إلى آخرين فيرجع إلى حسن اختيارهم وصفاء طويتهم وسوء اختيارهم وقبح سريرتهم ، أو لسبب لا يصل إليه علمنا ، فالقول بهذا لا يوجب نسبة الظلم إليه سبحانه بأن يقال جبرهم على المعاصي ثم