6 - لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين :
إذا عرفت هذا فالأمر بين الأمرين له معان كلها صحيحة وهي :
الأول : أن يكون الجبر المنفي هو ما ذهب إليه المجبرة والأشاعرة ، والتفويض المنفي هو كون العبد مستقلا في الفعل بحيث لا يقدر الرب تعالى على صرفه عنه كما ذهب إليه بعض المعتزلة ، والأمر بين الأمرين هو أن اللّه تعالى جعل عباده مختارين في الفعل والترك مع قدرته على صرفهم عما يختارون وعلى جبرهم على ما لا يفعلون .
الثاني : ما سلكه شيخ الطائفة المحقة الشيخ المفيد في شرحه على الاعتقادات حيث قال بعد قول الصدوق : اعتقادنا في الجبر والتفويض قول الصادق عليه السّلام لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ما لفظه : الجبر هو الحمل على الفعل والاضطرار إليه بالقسر والغلبة ، وحقيقة ذلك إيجاد الفعل في الخلق من غير أن يكون لهم قدرة على دفعه والامتناع من وجوده فيه ، وقد يعبر عما يفعله الإنسان بالقدرة التي معه على وجه الإكراه له على التخويف والالجاء أنه جبر ، والأصل فيه ما فعل من غير قدرة على امتناعه حسب ما قدمناه ، وإذا تحقق القول في الجبر على ما وصفناه كان مذهب الجبر هو قول من يزعم أن اللّه تعالى خلق الطاعة في العبد من غير أن يكون للعبد قدرة على ضدها والامتناع منها ، وخلق فيهم المعصية كذلك ، فهم المجبرة حقا والجبر مذهبهم على التحقيق والتفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال ، والإباحة لهم مع ما شاءوا من الأعمال ، وهذا قول الزنادقة وأصحاب الإباحات ، والواسطة بين هذين القولين أن اللّه أقدر الخلق على أفعالهم وملكهم من أعمالهم وحد لهم الحدود في ذلك ، ورسم لهم الرسوم ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف والوعد والوعيد ، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبرا لهم عليها ، ولم يفوض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها ، ووضع لهم الحدود فيها وأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبحها ، فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض على ما بيناه .
الثالث : إن الأسباب القريبة للفعل بقدرة العبد ، والأسباب البعيدة كالآلات والأدوات والجوارح والأعضاء والقوى بقدرة اللّه سبحانه ، فهذا هو الأمر بين الأمرين .
الرابع : إن المراد بالأمر بين الأمرين كون بعض الأشياء باختيار العبد كالأفعال التكليفية ونحوها ، وبعضها بغير اختياره كالصحة والمرض والنوم واليقظة وأشباهها .
الخامس : إن التفويض المنفي هو تفويض الخلق والرزق وتدبير العالم إلى العباد