وأجمعت الأمّة على أنّ أفضل الخلق بعد الرسول إمّا أبو بكر وإمّا عليّ عليه السلام ، فإذا هذه الآية مختصّة إمّا بأبي بكر وإمّا بعليّ عليه السلام ، ولا جائز أن يكون نازلة في حقّ عليّ عليه السلام ، لأنّ الشخص المراد من هذه موصوف بوصف معيّن وهو أنّه ليس لأحد عنده نعمة تجزى ، وعليّ عليه السلام ما كان كذلك لأنّ عليّا أنّما نشأ في تربية محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وطعامه وشرابه ، وذلك نعمة تجزى ، وأمّا أبو بكر فإنّه ما كان للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في حقّه نعمة تجزى ، بل كان له في حقّه نعمة الإرشاد إلى الدين إلّا أنّ هذه النعمة لا تجزى ، بدليل أنّه تعالى حكى عن الأنبياء عليهم السلام أنّهم كانوا يقولون لأممهم :
ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ
« 1 » ولم يقل تعالى : وما لأحد عنده من نعمة ، بل قال :
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى
« 2 » فبهذا القيد خرج عليّ عليه السلام من أن يكون مرادا بهذه الآية فبقي أن يكون المراد بهذه الآية أبو بكر .
إذا ثبت هذا فنقول : دلّت الآية على أنّه أفضل الخلق ، فإنّه تعالى لمّا وصفه بأنّه أتقى - والأتقى أفضل - وجب أن يكون هو أفضل الخلق ، ودلّت الآية أيضا على أنّه تعالى راض عنه في الحال والاستقبال ، لأنّه قال تعالى :
وَلَسَوْفَ يَرْضى
وكلمة سوف مختصّة بالاستقبال ، وهذا يدفع سؤال من قال : لعلّه تعالى كان راضيا عنه في تلك الحال ثم زال الرضا عنه وقت اشتغاله بالخلافة ، لأنّه تعالى بيّن بقوله :
وَلَسَوْفَ يَرْضى
بقاء ذلك الرضوان في المستقبل .
فثبت بمجموع ما ذكرنا أنّه لو كانت خلافته باطلة لما كان مرضيّا عند اللّه في الحال والاستقبال ، وثبت أنّه مرضيّ عند اللّه في الحال والاستقبال ، فوجب القطع
هامش
( 1 ) الشعراء : 26 / 109 و 127 و 145 و 164 و 180 .
( 2 ) الليل : 92 / 19 .