ولا شكّ أنّه كان أضعف وأبعد عن الإمامة من أبي بكر بمراتب ومراحل من وجوه كثيرة ظاهرة ، فإنّ أبا بكر كان شيخا وبنته عائشة التي كانت معتبرة كبيرة عند النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وغير ذلك ، وفي ذلك الوقت عليّ عليه السلام كان صغيرا ، مع أنّه كان مغموما بموت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومشتغلا بتجهيزه ، حتى بايعوا أبا بكر . ولا شكّ أنّه قد نازعه معاوية ، ووقع بينهما المقاتلة كما هو المشهور حتى قتل سبعون « 1 » ألفا من المسلمين ، وفيهم من الصحابة والتابعين ما شاء اللّه ، مثل عمار الذي كان من كبار الصحابة وقال فيه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « تقتله الفئة الباغية » « 2 » وقد قيل : كانت وقعة صفين ثمانية عشر شهرا « 3 » ، وما قدر عليه حتى تركه ، فما ظنّك هل هذا إلّا من عجزه وقوّة معاوية ؟ ! فإذا كان في زمان إمامته وقوّته - على الوجه الذي ذكرنا - ما قدر على معاوية فكيف يكون قادرا بعد انعقاد البيعة من الصحابة والتابعين وأهل المدينة لمثل أبي بكر مع هؤلاء المعاونين على أخذ الإمامة منه قهرا ؟ ! فما كان ذلك إلّا عجزا ، وهو ظاهر .
وكذا مخالفة طلحة وزبير مع إظهار موافقتهما له ، وإظهار زبير عداوته لعمر وغيره ، حتّى أخذوا عائشة من مكة إلى بصرة وعاركوه ، ووقعت وقعة الجمل المشهورة ، فإذا عاركه مثل هؤلاء العارفين بحاله خصوصا عائشة على ما روي عنها من محبّة اللّه ورسوله له وفضيلته ، وأنّه نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 4 » ، وما فوقه شيء ، فما ظنّك بأقوام ممّن يريدون الدنيا ولم تحصل لهم عنده ، وتحصل عند غيره ؟ ! وقد ترك الجدال مع الأوّلين للعجز وعدم الناصر والمعاون وعلمه بأنّه لا
هامش
( 1 ) « ن » : سبعين .
( 2 ) « المناقب » للخوارزمي ، ص 192 ؛ « صحيح مسلم بشرح النووي » ج 18 ، ص 41 .
( 3 ) في « تاريخ اليعقوبي » ج 2 ، ص 188 : « إنّها كانت أربعين صباحا » وفي « البداية والنهاية » ج 7 ، ص 309 : « إنّها كانت تسعة أشهر » وفي « مروج الذهب » ج 2 ، ص 352 ، أقوال أخر ، ولبيان وجه الجمع وعدم التنافي بين هذه الأقوال محلّ آخر .
( 4 ) « المناقب للخوارزمي » ، ص 79 ؛ « السنن الكبرى » ج 5 ، ص 140 ، ح 8496 .