بيان للوجه الثاني من وجوه العصمة التي ذكرها المصنف رحمه اللّه . ونقله الرازي أيضا مفصّلا ، وأجاب بأنّ الشريعة أنّما تبقى محفوظة بنقل الناقل المعصوم لو كان ذلك الناقل المعصوم بحيث يرى ويمكن الوصول إليه والرجوع إلى قوله ، وأمّا إذا لم يكن كذلك لم تصر الشريعة محفوظة بنقله « 1 » .
وأنت تعلم أنّ هذا الجواب قدح في القول بوجوب إمام غائب وقد مرّ البحث فيه ولا ينفي دليل اشتراط العصمة في إمام حاضر من حين وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى حين غيبة الإمام ، واشتراط عصمته حال حضوره ، وهو ظاهر . ونحن إذ أثبتنا عصمة الحاضر ووجود الغائب بالدليل يلزم عصمته لعدم القائل بالفصل وللأدلّة الأخرى . ولأنّه أيضا حافظ وناقل حال حضوره فلا بدّ من عصمته .
وأجاب الشارح ب : « أنّه ليس حافظا بذاته بل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة واجتهاده الصحيح فإن أخطأ في اجتهاده فالمجتهدون يردّون والآمرون بالمعروف يصدّون ، وإن لم يفعلوا أيضا فلا نقض للشريعة القويمة » « 2 » .
ولا خفاء في أنّ في الكتاب مجملا ومفصّلا وناسخا ومنسوخا ومتشابها ، وكذا السنة . وإجماع الأمة بدون العصمة ليس بحجة ، على أنّ حجيته إمّا بالكتاب أو السنة وهما قد لا يعلمهما إلّا الإمام المعصوم فإنّ الأحكام المعلومة من الكتاب مثل الصلاة والحج والزكاة والصوم لولا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لما فهم ، فإنّك إذا تأملت الآيات تعرف أنّه لا يمكن فهم المقصود من آية منها إلّا بالتعليم والبيان النبوي أو الإمامي . فإنّ كون الزكاة - مثلا - في أشياء مخصوصة فقط بشرائط مخصوصة والقدر المخرج المخصوصة كيف يفهم من قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
هامش
( 1 ) « كتاب الأربعين » ص 437 .
( 2 ) « شرح تجريد العقائد » ص 367 .