تفصيلها في الشرح ، فهي أيضا ليست ببرهان ، فلا معنى للخروج عن الأدلة التي سلّمت قوّتها ومتانتها لهذه الأدلة وتسميتها برهانا . وأظنّ أن ليس ذلك إلّا تقليدا للسلف كما هو دأبهم على ما بيّنا في مواضع في بحث الإمامة وسيجيء هنا أيضا في ذلك البحث إن شاء اللّه تعالى .
على أنّك إذا تأمّلت عرفت عدم الخلاص عن المضيق - على ما قيل - لأنّه قد سلّم أنّ لإرادة العبد مدخلا في الفعل بالضرورة بحيث لا يمكن منعه وإنكاره « 1 » ، ومعلوم أنّ المدخلية أنّما هو في وجوده من العدم ، وما نريد من الموجد والخالق إلّا ذلك . غاية الأمر أنّه لم يكن مستقلا بل شريكا مع اللّه .
فيكون حاصله راجعا إلى ما اختاره الفخر الرازي « 2 » وهو معقول في الجملة فلا يكون الكسب معقولا بالمعنى الذي ذكره فإنه يفهم أنّ الفعل موجود به وبالخلق وأنّه مقدور واحد حصل من القدرتين المستقلتين ولكن لا أثر لقدرته في خلقه بل في كسبه فهو منسوب إليه تعالى بالخلق وإليه بالكسب فقدرته تعالى أثّرت في الخلق ، وقدرته في الكسب .
وما نعرف هذا الكسب غير إيجاده من العدم إلى الوجود مثل الخلق ، إلّا أن يريد أنّه هو صرف الإرادة . فالعبد يفعل الإرادة والواجب يفعل الفعل بالإرادة .
وهو غير ظاهر لأنّه إن كانت للإرادة مدخلا في إيجاده فهو الاعتزال الذي يهربون عنه والتزمه الرازي « 3 » ، وإلّا فلا يصير مخلصا من المضيق ، وأيضا هذه الإرادة مخلوقة وليس لها موجد إلّا العبد فيلزمه القول بأنّ العبد فاعل فعله في
هامش
( 1 ) « شرح المقاصد » ج 4 ، ص 263 .
( 2 ) « كتاب الأربعين » ص 227 ؛ « شرح المقاصد » ج 4 ، ص 255 .
( 3 ) « كتاب الأربعين » ص 227 ؛ قال في « شرح المقاصد » ج 4 ، ص 224 : « ذكر الإمام الرازي وتبعه بعض المعتزلة أنّ العبد عندهم موجد لأفعاله على سبيل الصحة والاختيار » .