ذلك ظاهرا فإنّ العقل يجد أنّه يجوز أن يتخيّل القادر المختار فعلا ومفعولا على الإجمال فيوجده ويفعل ، ويحصل فيه من الأمور التي تتبعها ويلزمها مثل صفة الجهر والإخفات للأصوات ، والسرعة والبطوء للحركات ، والأبعاد والهيئات والمحاذاة للأجسام والأعراض على ما هي واقعة عليها من الأمور الغير المتناهية .
وليس ذلك بمعلوم أنّ اللّه تعالى أيضا قصد تلك وأوجده عليها إذ يوجد أمور غير متناهية فإنّ رملا صغيرا ونملا كذلك يستبعد العقل كون تلك كلّها مقصودة ومنظورة له تعالى وأوجدهما عليها ويكون فيهما المصالح ، وإن كان اللّه تعالى عالما بها كلّها بتفاصيلها ، ولكن كونها مقصودة ومنظورة عند العقل وأنّه لا بدّ من ذلك حين الفعل وإلّا لا يمكن إيجادها غير ظاهر .
نعم كلّ ما هو أمر معتبر ومعلوم أنّه فعل في هذا الفعل ذلك بالقصد وو الاختيار لا أنّه لازم لفعله وأنّه خلق لمصلحة لا بدّ من العلم به ، وأنّه لا شكّ أنّه أسند الكسب وهو صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل ، فيلزم أنّه خلق وأوجد الكسب أي صرف إرادة الفعل فيلزم أن يكون عالما به وأنّى له العلم بالإرادة ، ومحلّها وهي النفس التي ما عرفها إلّا العارفون ولهذا روى : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 1 » وليس في المعلومات أشكل منها ، ولهذا اختلف آراء العلماء والحكماء والمتكلمين في ذلك .
بل نقول لا بدّ للكاسب من معرفة الفعل المخلوق المكسوب أيضا كمعرفة خالقه ، فإنّه يكسبه ويوجّه إرادته إليه بل قال إنّه يقع بخلق اللّه وكسبه وله دخل في الخلق وإيجاده من كتم العدم إلى الوجود فيلزمه العلم بما يصرف إليه من فعل المخلوق مثل الخالق فقد علمت أنّ دليله العقلي ليس ببرهان ولا أمارة .
وأمّا النقلية من النصوص « 2 » فهي معارضة بأكثر وأصرح كما سيجيء
هامش
( 1 ) « غرر الحكم » ج 2 ، ص 625 ؛ « عوالي اللئالي » ج 2 ، ص 102 .
( 2 ) مثل قوله تعالى :« أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ »الملك : 67 / 14 .