وإرادته مدخلا وتأثيرا وأنّه بسببه ، لا مجرد المقارنة من غير تأثير أصلا فإنّ وجودها وعدمها حينئذ سواء فلا يكون سببا للفرق الواضح حتى على الصبيان والمجانين ، ومنعه مكابرة محضة ؛ فإنّ بديهة العقل يحكم بأن ليس هذا الفرق بمجرد المقارنة وعدمها ، فإنّ المقارنة من غير مدخل وتأثير كعدمها فلم يكن سببا للفرق . وليس استدلالهم بالدوران ، حتى يقال : « الدوران لا يفيد علية المدار وعلى تقديرها لا يلزم استقلالنا » « 1 » فإنّ الدوران ليس بشيء ، بل قيل لا يفيد الظنّ بالعلّية أيضا ، ولهذا ردّوا استخراج علّة القياس به أيضا .
ولظهور ضعف هذا الجواب اضطرب بعض موافقي الأشاعرة مثل فخر الرازي وقال باجتماع القدرتين والإرادتين في التأثير « 2 » ، وليس بنافع كما يرى . وكأنّ الشارح أشار إليه بإسناد الجواب إلى الأشاعرة فكأنّه قال : « هم قالوا هكذا . . . » إلى آخر القول .
وكأنّه لذلك أيضا قال التفتازاني في شرح العقائد - في شرح قول المصنف :
« وللعباد أفعال اختيارية يثابون بها إن كانت طاعة ، ويعاقبون عليها إن كانت معصية » - : « لا كما زعمت الجبرية أنّه لا فعل للعبد أصلا وأنّ حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة عليها ولا قصد ولا اختيار ، وهذا باطل ، لأنّا نفرق بالضرورة بين حركة البطش وحركة الارتعاش ونعلم أنّ الأوّل باختياره دون الثاني ولأنّه لو لم يكن للعبد فعل أصلا لما صحّ تكليفه ولا ترتّب استحقاق الثواب والعقاب على أفعاله . إسناد الأفعال التي تقتضي سابقة القصد والاختيار إليه على سبيل الحقيقة مثل « صلّ » و « صام » و « كتب » ، بخلاف مثل « طال الغلام واسودّ
هامش
( 1 ) إليك نصّ عبارة الشارح : « . . . إذ لا يلزم من دوران الشيء - كالفعل الاختياري - مع غيره كالقدرة والاختيار وجودا وعدما كون المدار علة للدائر ، ولا من العلية - إن سلّم ثبوتها - الاستقلال بها . . . » « شرح تجريد العقائد » ص 341 .
( 2 ) « كتاب الأربعين » ، ص 236 ؛ « المطالب العالية » ج 9 ، ص 10 .