قوله : « ولا نزاع لنا في أنّهما [ حسن الإحسان وقبح الظلم ] بهذين المعنيين عقليان وبالمعنى المتنازع فيه ممنوع » لا خفاء في كونه مكابرة فإنّ بديهة العقل يحكم باستحقاق فاعل الإحسان المدح وفاعل الظلم الذمّ ، بمعنى أنّه لو مدحه شخص على ذلك كان ذلك مستحسنا عند ذوي العقول ويقولون : ذلك في محله ولا يذمّونه ، وكذا لو ذمّ فاعل الظلم . ولو عكس لذمّه العقلاء ، مثلا لو ألقى شخص طفلا على النار من غير صدور ما يكون موجبا لذلك فإنّه يذمّه كلّ عاقل ويحسّنون ذمّه ويقبّحون فعله .
ولو أخرجه شخص قبل أن يحرق أو منع ملقيه أو خلّص مظلوما من يد ظالم يريد قتله وذبحه لمدحه كلّ من له عقل ويحسّن فعله ؛ ولو ترك وهو قادر عليه لذمّه ويعدّ ذمّه حسنا ، ولا فرق في ذلك بين المتشرعة وغيرها ، وهو ظاهر بحيث منعه مثل منع الضروريات الأوليّات ، فلا يصاغ « 1 » إلى المنكر .
وليس يتخيّل دخول الثواب والعقاب في تعريفهما وكون المتنازع فيه ذلك فإنّ البحث في أعمّ . فإنّ المعتزلة يريدون إثبات حسن الفعل وقبحه عقلا ، ولو كان من الواجب تعالى فلا مجال للتخصيص .
وقد ذكرنا أن ليس مراد المعتزلة ذلك ، ولا يمكن أن يكون ذلك محلا للنزاع وهو ظاهر ولا خفاء فيه أصلا .
ثم اعلم أنّ ظاهر هذا الدليل ينتهض على مذاهب المعتزلة خصوصا الأولين وليس بمخصوص بالمذهب الأول كما توهّمه البعض « 2 » ، وكذا باقي الأدلة وأنّ في أدلة الطرفين لا بدّ من ضمّ : « لا قائل بالفصل والتبعيض » حتى يقرّر
هامش
( 1 ) كذا في جميع النسخ .
( 2 ) قال في « المصباح المنير » ، في مادة : « بعض » ، ص 75 : « قال الأصمعي : كلّ وبعض معرفتان فلا تدخلهما الألف واللام لأنّهما في نية الإضافة » .