فلا تكون الآيتان متعارضتين إذا لوحظت الحكمة المرعية فيهما ولم يكن قوله تعالى
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ
ناسخا لقوله تعالى
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ
مع تأخر نزول ذلك عن هذا لان كلا من الآيتين لغرض وحكمة على حدة وليس أحدهما منافيا للآخر حتى يكون ناسخا في مقداره المتناول ويؤيد ما ذكرنا من أن الحكمة في الحكم الأول هو ظهور براءة الرحم وفي الثاني هو فقط تعزية الزوج ما أورده صاحب الهداية في باب العدة من أن العدة في الطلاق وجبت للتعرف عن براءة الرحم وفي باب النفقة من أن احتباس المتوفى عنها زوجها ليس لحق الزوج بل لحق الشرع فان التربص عبادة فيها * الا ترى ان معنى التعرف عن براءة الرحم ليس بمراعى فيه حتى لا يشترط فيها الحيض *
( إذا عرفت ) هذا فنقول ان أمير المؤمنين عليا كرم اللّه وجهه انما أوجب في عدتها ابعد الأجلين لذلك لا للتوفيق بين الآيتين والجمع بينهما احتياطا لجهالة التاريخ كما ذكره صاحب ( التوضيح ) وغيره من شراح الهداية فإنه انما يحتاج إليه إذا كانتا متعارضتين واما إذا كان كل واحد من الحكمين لغرض آخر فلا فلو انقضى أربعة اشهر وعشر ولم تضع الحمل فلا بد ان تصير إلى أن تفرغ رحمها عن الشغل بماء الغير بالاتفاق ولو وضعت قبل انقضاء أربعة اشهر وعشر فتربص إلى تلك المدة لأجل تعزية الزوج وحفظ حرمته عند علي كرم اللّه وجهه كما عرفت * ( ثم ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه ) لما خفى عليه ما هو الحكمة في الحكمين واقتصر نظره على ظاهر الآيتين وظن أن من حكم بأبعد الأجلين فإنما حكم بواسطة جهالة التاريخ انكر ذلك الحكم وبادر إلى المباهلة وقال من شاء باهلته لما كان تأخر النزول عنده معلوما يقينيا ولم يدر أن شمول وأولات الأحمال المطلقة والمتوفى عنها زوجها بحسب المفهوم لا يقتضي ان تنقضي