عبروا ، قال : واللّه ما جئت حتّى رأيت الرايات في ذلك الجانب والأثقال ، قال :
واللّه ما فعلوا وإنّه لمصرعهم ومهراق دمائهم .
ثمّ نهض ونهضت معه ، فقلت في نفسي : الحمد للّه الذي بصّرني هذا الرجل وعرّفني أمره ، هذا أحد رجلين : إمّا كذّاب جريّ ، أو على بيّنة من أمره وعهد من نبيّه ، اللهمّ إنّي أعطيك عهدا تسألني عنه يوم القيامة ، إن أنا وجدت القوم قد عبروا أن أكون أوّل من يقاتله ، وأوّل من يطعن بالرمح في عينه ، وإن كانوا لم يعبروا لم آثم على المناجزة والقتال .
فدفعنا إلى الصفوف ، فوجدنا الرايات والأثقال بحالها ، فأخذ بقفائي ودفعني ، وقال : يا أخا الأزد أتبيّن لك الأمر ؟ قلت : أجل يا أمير المؤمنين ، قال : فشأنك بعدوّك ، فقتلت رجلا ، ثمّ قتلت رجلا آخر ، ثمّ اختلفت أنا ورجل آخر أضربه ويضربني ، فوقعنا جميعا ، فاحتملني أصحابي ، فما أفقت حتّى فرغ من القوم .
وهذا خبر شائع مستفيض قد نقله الجمّ الغفير ، فيه إخبار بالغيب ، وإبانة عن علم الضمير ، ومعرفة بما في النفوس « 1 » .
وروى العامّة والخاصّة أنّ الحجّاج طلب كميل بن زياد ، فهرب منه ، فقطع عطاء قومه ، فلمّا رأى ذلك ، قال : أنا شيخ كبير قد نفد عمري ، فلا ينبغي أن احرم قومي إعطاءهم ، فخرج إلى الحجّاج ، فقال : قد كنت احبّ أن أجد عليك سبيلا ، فقال له كميل : لا تصرف على أنيابك ، فما بقي من عمري إلّا قليل ، فاقض ما أنت قاض ، فإنّ الموعد اللّه وبعد القتل الحساب ، ولقد أخبرني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنّك قاتلي ، فضرب عنقه « 2 » .
وقد صحّ أنّ الحجّاج قال ذات يوم : احبّ أن أصيب رجلا من أصحاب
هامش
( 1 ) كشف الغمّة 1 : 277 - 278 .
( 2 ) كشف الغمّة 1 : 278 .