المعلوم . وما ذكر الأعور في الثاني غير سديد ، وعلى الأوّل توجّه الوعيد .
الثاني : أنّ ظاهر الآية أعني قوله تعالى :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ
« 1 » يقتضي أنّ الوعيد إنّما يتناول من جمع بين مشاقّة الرسول واتّباع غير سبيل المؤمنين ، فلا يلزم منه ثبوته بالنسبة إلى الثاني بانفراده ، كما زعمه أعور الفاسقين ، وثبوته للأوّل معلوم من الحجج الخارجة والبراهين .
والجواب عن الخامس : أنّهم ما قالوا بخلق القرآن ، بل نهوا عن ذلك لما أشرنا إليه فيما سلف ، وإنّما وصفوه بما وصفه اللّه تعالى به في محكم كتابه ، حيث قال :
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ
« 2 » والقول بأنّ القرآن مخلوق منسوب إلى غيرهم .
وقد تقدّم في صدر الكتاب ما رواه ابن الجوزي في الجزء الخامس من كتاب المنتظم بسنده عن أحمد بن علي الحافظ ، قال : المشهور عن أبي حنيفة أنّه كان يقول : القرآن مخلوق ، ثمّ استتيب منه .
وعن أحمد بن يونس ، قال : كان أبو حنيفة في مجلس عيسى بن موسى ، قال :
القرآن مخلوق ، فقال : أخرجوه ، فإن تاب وإلّا فاضربوا عنقه .
وعن يحيى بن آدم ، قال : سمعت شريكا يقول : استتيب أبو حنيفة مرّتين .
فلو كان القول بذلك كفرا - كما زعمه الأعور - لزم كفر أبي حنيفة وأتباعه ؛ إذ لا اعتبار لتوبة المجبّر .
وشبهته المذكورة على ذلك مفسودة ؛ لأنّه لا يلزم من كون القرآن كلام اللّه أن يكون صفة خارجة من ذاته كما توهّمه ، حتّى يلزم أن يكون سبحانه محلّا
هامش
( 1 ) سورة النساء : 115 .
( 2 ) سورة الأنبياء : 2 .