فهذا صورة الحال ، وما ذكره الأعور من الصورة ، فهو مع كذب أكثره ليس بحجّة ؛ لجريانه بعينه في كثير من أولاد السلاطين ، مع أنّهم ليسوا خلفاء الرسول بإجماع المسلمين ، فلا اعتبار به .
بل لا بدّ من كون الإمام منصوصا عليه من قبله تعالى : إمّا في محكم كتابه ، أو على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه وآله ، أو بإظهار معجز على يده ، وذلك لأنّ الإمام حافظ للشرع وفاقا ، فيجب أن يكون معصوما ، وإلّا جاز أن يزيد في الشرع ما ليس منه ، أو ينقص ما هو منه ، فيكون ناقصا له لا حافظا ؛ هذا خلف ، والعصمة من الأمور الباطنيّة التي لا يطّلع عليها غير علّام الغيوب .
وقد سئل مهديّ الأمّة الكاشف للغمّة الخلف المنتظر ، في حال صباه بحضرة أبيه الإمام الزكيّ الحسن العسكري عليهما السلام وعلى آبائهما الكرام ، ما المانع أن يختار القوم إماما لأنفسهم ؟
فقال عليه السّلام : مصلح أو مفسد ، قيل : مصلح ، قال عليه السّلام : هل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد ؟
قيل : بلى ، قال عليه السّلام : فهي العلّة ، ثمّ قال : فهذا موسى كليم اللّه مع وفور عقله وكمال علمه ، ونزول الوحي عليه ، اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلا ممّن لم يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم ، فوقعت خيرته على المنافقين على ما حكى اللّه تعالى ، فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه للنبوّة واقعا على الأفسد دون الأصلح ، وهو يظنّ أنّه الأصلح ، علمنا أنّه لا اختيار لمن لا يعلم ما تخفي الصدور ، ولا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا لأهل الصلاح « 1 » . انتهى كلام الإمام عليه وعلى آبائه
هامش
( 1 ) البحار 52 : 84 - 85 ط مؤسسة الوفاء بيروت .