أحدهما : أنّه تعالى وصل قوله
« فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ »
بما قبله ، والوصل يقتضي الارتباط ، و
« هؤُلاءِ »
إشارة إلى أهل مكّة ، فيكون المعنى فإن يكفر بها كفّار قريش ، فقد آمن بها أولئك الذين آتيناهم إيّاها ، والضمير في
« بِها »
راجع إلى الكتاب والحكم والنبوّة جميعا ، أو إلى النبوّة ، وأريد بالكتاب الجنس .
الثاني : أنّ المكلّفين في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله أو بعده مأمورون بالاقتداء به كما هو معلوم ، ويدلّ عليه قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
« 1 » وقوله :
ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
« 2 » ونحوهما ، وهنا بالعكس حيث أمر اللّه نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله بالاقتداء بهداهم على وجه الحصر ، أي : فاختصّ هداهم بالاقتداء ، ولا يقتد إلّا بهم ، وهذا معنى تقديم المفعول .
والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان باللّه وتوحيده وعدله ، وفي أصول الدين دون الشرائع ، فإنّها مختلفة لتطرّق النسخ إليها ، وهي هدى ما لم ينسخ ، والهاء في « اقتده » للوقف .
ثمّ فسّر سبحانه بعض ما يقتدى بهم فيه بقوله
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ
« 3 » أي : قل يا محمّد لا أطلب منكم على تبليغ الوحي وأداء الرسالة جعلا ، كما لم يسأل ذلك الأنبياء قبلي ، فإنّ أخذ الأجر عليه ينفر الناس عن القبول « إن هو » أي : ما هو إلّا ذكرى للعالمين بما يلزمهم إتيانه واجتنابه .
هذا ولو كانت الاحتمالات متساوية لما صحّ الاستدلال ببعضها على الخصم ، لجواز أن يختار غيره من وجوه الاحتمال ، فاستدلال الأعور بالمرجوح معلوم الحال عند اولي الأبصار العقّال .
الثاني : أنّ من حمل قوله تعالى :
قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
على الأصحاب ما
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 31 .
( 2 ) سورة الحشر : 7 .
( 3 ) سورة الأنعام : 90 .