بالناس مصحّرا ، فصلّى بهم مستسقيا لهم ، فأجاب اللّه تعالى دعاؤه وسقاهم الغيث ، حتّى شكا الناس كثرته وخوف الغرق ، فعندها قال : للّه درّ أبي طالب رحمه اللّه ، لو كان حيّا لقد قرّت عينه ، ثمّ استشهد بشعره من قوله :
« وأبيض يستسقى الغمام بوجهه »
فترحّم عليه وشهد بسروره بالإجابة « 1 » .
وروي أنّه لمّا توفّيت خديجة رحمها اللّه تعالى شقّ ذلك على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبان الحزن في وجهه ، وأثّر عنده فقدها ، ثمّ تلا ذلك موت أبي طالب ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لأسرع ما هدّنا فقدك يا عمّ .
فهل يجوز أن يكون هذا الحزن والكمد من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على من لا يتيقّن إيمانه وصلاحه ووجوب ولايته ، وقد قال اللّه تعالى :
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ
« 2 » وهل بقي بعد ذلك شكّ أو ارتياب في إيمان أبي طالب وصلاحه وولايته لمن يؤمن باللّه واليوم الآخر ؟
وجواب الشبهة الثالثة ، أنّ النقل المذكور فيها مردود ؛ لأنّه يعارضه القواطع ، أعني : ما تقدّم من قول المعصومين ، ورواية أحمد بن حنبل وهو من أعاظم أئمّة الحديث عندهم ، وما ثبت من وصيّته البليغة لبني هاشم عند موته ، فإنّها جامعة لأسباب الإيمان ، والنصيحة البليغة للنبيّ وأهل بيته ، حيث اجتمعوا عنده حال موته ، فروي عنه أنّه حمد اللّه وأثنى عليه .
ثمّ قال : يا بني هاشم أنتم صفوة اللّه ، وقلب العرب ، وحزب اللّه ، وبقيّة إبراهيم خليل اللّه ودعوته ، ومنكم السيّد المطاع ، والمقدام الشجاع ، لم تنكروا من المآثر والفضائل إلّا أحرزتموه ، ولا شرفا إلّا أدركتموه ، فلكم على الناس الفضل والسبق ،
هامش
( 1 ) الطرائف ص 301 : والعمدة لابن البطريق ص 412 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14 : 79 ، وسيرة ابن هشام 1 : 272 .
( 2 ) سورة المجادلة : 22 .