وهذا أمر ظاهر المعنى لا يخفى على ذي بصيرة وعقل صحيح ؛ لأنّه أسرّ الإيمان كما أسرّه أهل الكهف ومؤمن آل فرعون ، ليتوصّل به إلى نصر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وإقامة دعوته ، كما توصّل مؤمن آل فرعون إلى نصر موسى عليه السّلام ، فآتاه اللّه أجره مرّتين ، كما آتاهم أجورهنّ مرّتين ، ولا دلالة للبيت المتقدّم على وجه الكفر ، بل تدلّ على الإيمان الصريح ، كما لا يخفى على من له أدنى تميّز وفهم صحيح .
ويشهد بصدق ما ذكرنا في معنى البيت الأخير ما ورد في كتاب البشائر عن عبد الرحمن بن كثير ، قال : قلت للصادق عليه السّلام : إنّ الناس يزعمون أنّ أبا طالب في ضحضاح من النار ، فقال : كذبوا ما بهذا نزل جبرئيل على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، قلت : فبما نزل جبرئيل ؟ فقال : أتاه في بعض ما كان يأتيه ، فقال : يا محمّد إنّ أهل الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكفر ، فآتاهم اللّه أجرهم مرّتين ، وانّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك ، فآتاه اللّه أجره مرّتين ، وما خرج من الدنيا حتّى أتته البشارة من عند اللّه تعالى على لسان رسوله بالجنّة .
ثمّ قال : كيف يقذفونه بذلك ؟ وقد نزل جبرئيل ليلة قبض أبو طالب ، فقال : يا محمّد اخرج من مكّة ، فما بقي لك فيها ناصر بعد أبي طالب « 1 » .
وأمّا الجواب عن بقيّة شبه الأعور ، فهو عن الثانية ، أنّ كون الآية الأولى أعني قوله تعالى :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
« 2 » في أبي طالب ، نقل بعض المخالفين ، وإجماع المخالف ليس حجّة فضلا عن نقل بعضهم ، مع أنّه مخالف للعقل الصريح والنقل الصحيح .
أمّا العقل ، فلأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لا يجوز أن يخالف اللّه سبحانه في إرادته ، كما لا يجوز أن يخالفه في أوامره ونواهيه ، وإن كان اللّه تعالى على زعم المخالف لم يرد
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 35 : 111 - 112 .
( 2 ) سورة القصص : 56 .