حاضرا من المشركين ومعاطسهم عن آخرهم .
ثمّ قال : وربّ البنية لئن أقمتم على إنكاركم وجحودكم لأفعلنّ بكم ما هو أشدّ من ذلك ، فما زال بهم حتّى قادوا الذي فعل ذلك المنكر العظيم ، فنكل به وقطّعه قطعا ورمى بينهم . وقيل : إنّه جدع أنفه واذنيه قطعهما وأطاف به مكّة ثمّ قتله .
ومنها : أنّ قريشا لمّا رأت ارتفاع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في درج الكرامة ، مصمّما على إنفاذ دعوته وقيام حجّته ، وأحسّوا بالذلّ والهوان والهبوط لرئاستهم ومراتبهم اجتمعوا عند أبي طالب ، وقالوا : يا شيخ البطحاء ما زلت فينا السيّد المطاع والمهيب المنّاع ، وبيننا وبينك وشيم رحم لست تنكرنا ، وانّ ابن أخيك قد سفه أحلامنا ، وسخف آباءنا ، واستهجن كلامنا ، وبطل آلهتنا ، فشر عليه يكفّ عنّا ويدعنا وديننا ، وإن أبى إلّا أن يصرّ على ما هو عليه ، فأمسك أنت عن نصره ومعاضدته ، ودعناه وإيّاه ، وهذه أبناؤنا بين يديك بيّن منهم من شئت ، ثمّ دعوا بعمارة بن الوليد وكان مستحسنا ، وقالوا : خذه لك خادما وغلاما .
فقال لهم : هل رأيتم ناقة تحنّ إلى غير فصيلها ؟ واللّه ما كان ذلك أبدا ، ثمّ أعاد عليهم الجواب بما أسخن عيونهم ، وأقرح قلوبهم ، وصغّرهم في أنفسهم ، وقام فدخل على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقد بلغه قولهم وهو يبكي ، فقال : ما لك يا بنيّ ؟ قال : قد عرفت مقالة قريش يا عمّ ، إنّي لا أكفّ عن تبليغ رسالة ربّي ، والدعاء إلى الإيمان به وبما أمرني حتّى أنفذه أو اقتل دونه ، فعندها قام أبو طالب رافعا صوته بينهم بقوله :
واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتّى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر بذاك وقرّ منك عيونا
ويؤيّد ذلك ويصدّقه ما ذكر شيخهم الثعلبي في تفسير قوله تعالى :
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ
فإنّه قال : معناه إنّ قريشا ينأون عنه ، أي : يتباعدون وينهون