واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتّى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر بذاك وقرّ منك عيونا
ودعوتني وعلمت أنّك صادق * ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وعرضت دينا لا محالة أنّه * من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذاري سبّة * لوجدتني سمحا بذاك ضنينا « 1 »
والجواب من وجوه :
الأوّل : أنّ البيت الأخير يدلّ على كفره صريحا ، والمتقدّمة تدلّ على أنّ وجه كفره كان خيفة العار ، ووجوه الكفر يأتي خوف العار كما عرفت من أبي طالب ، ويأتي جهالة كما كان كفر أبي سفيان وأميّة بن خلف ونحوهما ، ويأتي حسدا ككفر أبي جهل ، فإنّه قال له أحد قريش : ما تقول يا أبا الحكم في محمّد أتراه كاذبا ؟ قال :
واللّه ما كذب محمّدا قطّ ، ولكنّا كنّا وبنو هاشم كفرسي رهان ، إن أطعموا أطعمنا ، وإن كسوا كسونا ، قال : الآن ما منّا نبيّ متى يترك فصلى هذه واللّه لا يؤمن به أبدا .
الثاني : نقل المفسّرون أنّ قوله تعالى :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
« 2 » في أبي طالب ، وقوله تعالى :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
« 3 » .
الثالث : نقل أهل الحديث والتواريخ أنّ أبا طالب لمّا حضرته الوفاة حضر عنده أبو جهل وجماعة من الكفّار من قريش وحضر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقال : يا عمّ قل كلمة أحاجى لك بها يوم القيامة ، قال له أبو جهل : أنرغب عن ملّة الأشياخ ونخرج عند الموت ، وكلّما كرّر النبيّ مقالته كرّر عليه أبو جهل مقالته ، وكان آخر كلمة قالها هو على دين الأشياخ هو على دين المطّلب ومات .
هامش
( 1 ) ديوان أبي طالب ص 12 - 13 . وبحار الأنوار 35 : 87 .
( 2 ) سورة القصص : 56 .
( 3 ) سورة التوبة : 113 .