وعذوق لأبي الدحداح في الجنّة « 1 » .
ولئن سلّمنا أنّ المراد أبو بكر ، لا يلزم مطلوب الأعور ؛ لأنّ الأتقى بمعنى التقي ، دون أفعل التفضيل ، وإلّا لزم أن يكون أبو بكر أفضل من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وهو باطل ، والتخصيص لا يفيد ؛ لأنّ المراد بقوله تعالى
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
هو أنّ الأفضل ، هو الذي يكون أتقى من جميع المؤمنين ، وهو النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ولاحتمال عدم دخول أمير المؤمنين عليه السّلام فيه حينئذ .
قال الأعور الشاني : قوله تعالى
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً
وهذا الداعي بالموعود على طاعته حسن الثواب ، وعلى مخالفته أليم العقاب ، قيل : هو النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ؛ لكونه مأمورا بنهي المخلّفين من الأعراب عن اتّباعه ، بقوله تعالى :
قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ . . .
« 2 » فامتنع أن يكون هو الداعي .
وليس هو علي رحمه اللّه ؛ لأنّه لم يقاتل في أيّام خلافته الكفّار ، وإنّما كان حربه مع المسلمين ، فتعيّن أن يكون الداعي هو الصدّيق ؛ لأنّه دعاهم إلى قتال بني حنيفة أهل الردّة باليمامة ، وهم أولو بأس شديد كانوا ثمانين ألفا ، ولقوّة بأسهم أشار علي رضي اللّه عنه بالقعود عنهم ، فقال : هؤلاء أصحاب شوكة ، وهذا أوّل عسكر يخرج لنا بعد موت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فلا يقوم لنا بعده قائم ، فما وهن الصدّيق ولا ضعف .
ثمّ جهّز عسكرا وخرج معه مرحلة حتّى يسمع الناس بخروجه ، وأمر عليهم سيف اللّه خالد بن الوليد ، فظفر بهم وقتلهم . وقيل : أميرهم مسيلمة الكذّاب ، ورجع بالغنائم والسبي ، ومن سبيهم تسرّى علي الحنفيّة أمّ ولده محمّد ، واستقرّ الاسلام
هامش
( 1 ) مجمع البيان 5 : 639 ط بيروت .
( 2 ) سورة الفتح : 15 - 16 .