والقياس ظنّي خرج عنه ما وقع الاتّفاق على العمل به ، فيبقى الباقي على النهي .
الرابع : قوله صلّى اللّه عليه وآله : ستفرّق أمّتي على بضع وسبعين فرقة ، أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأمور برأيهم ، فيحرّمون الحلال ويحلّلون الحرام « 1 » .
الخامس : إجماع أهل البيت عليهم السّلام على المنع من العمل بالقياس ، فإنّ المعلوم من قول الباقر والصادق والكاظم عليهم السّلام إنكاره وذمّ العمل به .
السادس : أنّ مبنى شرعنا على اختلاف المتوافقات في الأحكام واتّفاق المختلفات فيه ، وذلك يمنع من القياس .
أمّا الأوّل فظاهر ، فإنّ الشاعر شرّف بعض الأزمنة والأمكنة على غيرهما مع تساويهما في الحقيقة ، قال تعالى :
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
« 2 » وقال تعالى :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً
« 3 » وأوجب الحجّ إليه دون غيره من البقاع ، وأوجب صوم آخر يوم من شهر رمضان وحرّم صوم أوّل يوم من شوّال ، وساوى بين النوم والبول في إيجاب الوضوء مع اختلافهما إلى غير ذلك .
السابع : إجماع الصحابة على المنع من القياس وذمّ العامل به متحقّق ، فلا يجوز العمل به .
أمّا الأوّل ، فلما روي عن أمير المؤمنين علي عليه السّلام من قوله : من أراد أن يقتحم جراثيم جهنّم فليقل في الجدّ برأيه « 4 » . والجراثيم جمع جرثومة وهي جمعه من تراب أو طين يعلو الأرض . والتقحّم : التقدّم والوقوع في أهوية ، يقال : اقتحم الانسان وهو رميه بنفسه في أهوية أو وهدة .
هامش
( 1 ) الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف ص 525 عن تاريخ الخطيب وابن شيرويه الديلمي ، والصراط المستقيم للبياضي 3 : 208 .
( 2 ) سورة القدر : 3 .
( 3 ) سورة البقرة : 125 .
( 4 ) نهاية ابن الأثير 4 : 18 .