وكذلك خلّفهم في أشجار بني النضير حين حصروهم ، قطع بعض الصحابة وترك بعضهم ، ولم يعب اللّه سبحانه ولا الرسول على هؤلاء ولا على هؤلاء ، بل قال اللّه تعالى :
ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ
« 1 » وإذا جاز مثل ذلك للأنبياء والصحابة فلا يلزم على العلماء .
قلت : ليس المذكور في كتب القوم مجرّد حدوث المذاهب الأربعة ، بل مخالفتها لصريح الكتاب والسنّة ، وما اشتملت عليه من أنواع المناقضة ، وكأنّ الأعور إنّما أخذ ذلك ممّا هو مشهور بين الناس .
إنّ بعض السلاطين لمّا أراد اختيار مذهب من مذاهب المسلمين ، وإظهار حقّيّته بقواطع البراهين ، جمع بين السنّة وبعض علماء الشيعة الإماميّة للمباحثة ، فلمّا حضر العالم الشيعي مجلس السلطان لفّ مداسه في منديله وحمله تحت إبطه وجلس ، فاعترضه السنّة في ذلك ، فقال : روي أنّه كان في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله مذهب يقال له : مذهب أبي حنيفة ، وكان أهله يسرقون المداس ، فخفت أن يكون منهم أحد حاضرا ويسرق مداسي ، فقالوا : أبو حنيفة إنّما ظهر بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بمائة سنة ، فأين كان مذهبه في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله ؟
قال : بل كانت مذهب الشافعي ، قالوا : الشافعيّ متأخّر عن أبي حنيفة ولم يكن مذهبه في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، قال : كان مذهب مالك ، قالوا : مالك معاصر للشافعي ، قال : فلعلّ مذهب أحمد بن حنبل ، قالوا : تلميذه وهو متأخّر عنه .
فقال : إذا لم يكن هذه المذاهب الأربعة زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وظهرت بعد مائة سنة باعترافكم ، فكيف تحكمون بحقّيّة هذه المذاهب وبطلان ما سواها ، مع أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأصحابه والتابعين لهم مدّة أربعمائة سنة ما كانوا على هذه المذاهب الأربعة ، بل الحقّ مذهب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله المنقول بالتواتر بطريق أهل العصمة عليهم السّلام ، فبهتوا
هامش
( 1 ) سورة الحشر : 5 .