حدوث المذاهب الأربعة
قال الأعور : وأمّا ما ذكروه في أهل السنّة ، فمن ذلك حدوث المذاهب الأربع ، قالوا : إنّها لم تكن زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، والجواب عنه من وجوه :
الأوّل : أنّ الرافضة أيضا لم تكن زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، ولا زمن أصحابه ، ولا زمن بني أميّة ، ولا في ثلاثمائة سنة من خلافة بني العبّاس مذهب رافضيّ ، فهم ومذهبهم أحقّ بالردّ والحدوث والابتداع .
الثاني : أنّ الرافضة أنقص الناس عقلا كيف يعيبون ما هو فيهم بل أعظم عيبا ؛ لأنّ أهل السنّة إن كانوا أربع فرق ، فالرافضة أحد وثلاثون فرقة ، وإن كان بين المذاهب الأربعة قولان أو ثلاثة ، فأيّ مذهب قبضت من مذاهبهم وحده فيه أكثر من ذلك .
الثالث : أنّ الأنبياء والصحابة أعظم من العلماء وقد وقع الخلاف بينهم .
أمّا الأنبياء ، فداود وسليمان في الحرث الذي رعته الغنم ليلا ، حكم داود بأن يعطى الغنم بالحرث ، وحكم سليمان أن يسلّم الزرع إلى صاحب الغنم بتعهّده من سقي ونحوه ، ويسلّم الغنم إلى صاحب الزرع ينتفع بصوفها ولبنها حتّى يقوم الزرع كما كان ، وأصاب سليمان كما قال تعالى :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
ولم يعب على داود ، بل مدح كليهما بقوله تعالى :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
« 1 » .
وأمّا الصحابة ، فاختلافهم في صلاة العصر اجتهادا ، حيث قال صلّى اللّه عليه وآله : لا يصلّينّ أحد العصر إلّا في بني قريظة ، فأدركهم قرب فوات العصر قبل وصولهم ، فقال قوم :
النبيّ صلّى اللّه عليه وآله حسب أنّا نصل بني قريظة قبل الفوات ولم يرد منّا فوات العصر ، وصلّى في الطريق ، وقال قوم : النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أمرنا أن لا نصلّي إلّا في بني قريظة ، ففوّت ، فعلم بحالهم ولم يعب على هؤلاء ولا على هؤلاء .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : 79 .