طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه ، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي القلب شجى « 1 » .
وقد عوتب في ذلك ، فقيل له : لم لا جرّدت سيفك كما فعلت على البغاة عليك ؟
فقال عليه السّلام ما تضمّنته خطبته المشهورة التي منها : واللّه لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود الناصر لفعلت وصنعت « 2 » .
وقوله عليه السّلام : لي أسوة بنوح عليه السّلام إذ قال :
فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ
« 3 » ولوط عليه السّلام إذ قال :
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
« 4 » وبموسى عليه السّلام إذ قال :
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ
« 5 » وبعيسى عليه السّلام حين فرّ من اليهود ، وبمحمّد صلّى اللّه عليه وآله إذ فرّ إلى الغار « 6 » . وبالجملة العجز الشرعيّ حاصل .
والعجب من هذا الأعور أنّه يقول تارة : بويع أبو بكر ولم يختلف عليه اثنان ، ويجعل أبا بكر أعظم الشجعان ، ويقول تارة : علي الشجاع الأعظم من الصحب والآل معه عصبته القبيلة العظمى من قريش ، ولا يعي لما يلزمه من التناقض المحال .
وجواب الوجه الثاني : أنّ موافقة أصحاب الجمل مع عائشة وحمايتهم حتّى زهقت عند عقره الأرواح وتطايرت الكفوف ، إنّما كان لطمع الدنيا الغرّارة الغدّارة ، والوصول إلى الامارة مثلا ، دون الغيرة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّهم لو لاحظوا حرمته لما أخرجوا من الخدر والحجاب حرمته ، وحاربوا ابن عمّه الذي حربه
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ص 48 الخطبة الثالثة ، الخطبة الشقشقيّة .
( 2 ) نهج البلاغة ص 50 الخطبة الثالثة .
( 3 ) سورة القمر : 10 .
( 4 ) سورة هود : 80 .
( 5 ) سورة الشعراء : 21 .
( 6 ) الاحتجاج للشيخ الطبرسي 1 : 189 - 190 .