النداء دون العكس .
وهو ما روى الترمذي عن ابن عبّاس ، قال : بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ، ثمّ أتبعه عليّا عليه السّلام ، فبينا أبو بكر في بعض الطريق إذ سمع رغاء « 1 » ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله العضباء ، فقام « 2 » أبو بكر فزعا يظنّ أنّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فإذا هو علي ، فدفع إليه كتابا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأمر عليّا أن ينادي بهؤلاء الكلمات ، فإنّه لا ينبغي أن يبلّغ عنّي إلّا رجل من أهلي ، ثمّ اتّفقا فانطلقا ، فقام علي عليه السّلام أيّام التشريق ينادي : ذمّة اللّه ورسوله بريئة من كلّ مشرك ، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، ولا يحجّنّ بعد العام مشرك ، ولا يطوفنّ بعد اليوم عريان ، ولا يدخل الجنّة إلّا النفس المؤمنة ، قال : فكان علي ينادي بهؤلاء الكلمات ، فإذا عيي قام أبو بكر فنادى بها « 3 » .
الثالث : أنّه خلاف ما تواتر من خير الخلق وسيّد المرسلين صلّى اللّه عليه وآله من أنّه لم يولّ أحدا أصلا على أمير المؤمنين عليه السّلام ، بل في أيّ عسكر كان مع غيبته صلّى اللّه عليه وآله كان هو المقدّم المقدام ، فلو كان الأمر على ما ذكره لكان هذا للمخالف من أعظم الحجاج على أهل الإيمان ، مع ما لهم من غاية التعصّب ونهاية اللجاج .
وأمّا الثاني فلوجوه أيضا :
الأوّل : أنّا لا نسلّم أنّ هذا النداء أمر صغير لا يليق بالأمراء مثله ، ما أعمى قلب الأعور كيف يليق ذلك بالرسول صلّى اللّه عليه وآله مع أنّه أعظم منه وفاقا ولا يليق به ، نعم هذا لا يليق به من جهة أخرى لا لصغره ، وهي أنّ مجاهرة المشركين بعدم الحجّ ، وحصر النفس المؤمنة بدخول الجنّة وغيرهما ، يقتضي كمال الشجاعة وعدم ملاحظة النسب والقرابة ، والانقطاع عن الخلق بالكلّيّة ، والتوجّه التامّ إلى واهب العطيّة ،
هامش
( 1 ) رغاء : صوت الإبل .
( 2 ) في المصدر : فخرج .
( 3 ) صحيح الترمذي 5 : 257 برقم : 3091 .