وإن لم توجد من جهة الأنساب ، قال اللّه عزّ وجلّ :
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ
« 1 » الآية ، فعلى هذا الوجه أيضا لا دلالة على ما قصده .
وقد زاد بعضهم لفظة « هو » في هذا الخبر ، وقال : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه هو صدقة .
وهذا أيضا إن صحّ فالوجه فيه أنّ الذي تركناه من حقوقنا وديوننا ، فلم نطالب به في حياتنا ونستخرجه قبل مماتنا ، فهو صدقة على من هو في يده من بعد موتنا ، وليس يجوز لورثتنا أن يتعرّضوا لتملّكه ، فإنّا قد عفونا لمن هو في يده عنه بتركنا قبضه منه في حياتنا ، وليس معناه ما تأوّله الخصوم ، لمخالفته ظواهر القرآن كما هو المعلوم ، فما حصل مقصوده أصلا بالسنّة النبويّة لما ذكرنا من الوجوه المفيدة .
وقول أعور النواصب « وحينئذ فلو قال أحد : فاطمة بنت رسول اللّه أيجوز أن تطلب ما ليس لها بحقّ ؟ كان قول القائل إنّ أبا بكر ما منع يهوديّا ولا نصرانيّا حقّه ، فكيف يمنع حقّ بنت رسول اللّه ، أولى وأرجح من ذلك القول » .
قلت : تحقيق المرام وتوضيح الكلام أن يقول : قال أهل العرفان : بعد أن صحّ طلب فاطمة عليها السّلام الميراث لم يبق إلّا تصديقها وامتثال ما قالته بكونها قد أذهب اللّه عنها الرجس وطهّرها تطهيرا ، وقد حصل العلم بزهدها وزهد ابن عمّها في الحلال من الدنيا ، فكيف الحرام الذي لا يجوز طلبه ، ومن أطعم الطعام على حبّه المسكين واليتيم والأسير ، ونزلت فيه سورة هل أتى على الانسان ، على ما رواه المفسّرين ، لا يطلب الحرام ، ولا يلتمس الباطل ، ولا يظلم الناس ، ويطلب أكل ما تركه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله صدقة عليهم ، وما كان أبو بكر أعلم بأحوال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وبما يوصي به وبشرعه وبنسخه ، ولا أكثر خلطة به من فاطمة وبعلها وولديها عليهم السّلام ، فإنّها لا تعمى الأبصار ، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ، ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 27 .