وفي الثاني : أنّ تلك القاعدة غير مسلّمة مطلقا ، بل فيها خلاف ، وكيف لا ؟ مع أنّ رفع الوجوب أعمّ من بقاء الجواز ، ولا دلالة للعامّ على الخاصّ بإحدى الدلالات الثلاث .
نعم لو قيل : رفع الوجوب لا يستلزم رفع الجواز لتمّ الكلام ؛ لأنّ نفي الخاصّ لا يستلزم نفي العامّ ، ولو سلّمنا ذلك فهنا ليس كذلك ، بل إيجاب حكمين متقابلين من الصوم والافطار للقسمين ذوي الإقامة والسفار ، غاية ما يتوهّم هنا التخصيص ، وهو لا يثبت مطلوب الأعور بالتنصيص ، هذا وقد روي عن أنس أنّه إن صامه في السفر لم يجزيه ، وعليه أن يصومه في الحضر . وهذا هو مذهب الاماميّة بعينه ، وإن خالف فيه فقهاء العامّة .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : إنّ الصوم في السفر أفضل من الافطار . وقال مالك والثوري : الصوم في السفر أحبّ إلينا من الافطار لمن قوي عليه . وقال الشافعي :
هو مخيّر بين الصوم والافطار ، والصوم أفضل ، وهو مناف لما تقدّم من الأدلّة . وعن ابن عمر أنّ الفطر أفضل « 1 » .
فان استدلّوا بما رواه أنس من أنّهم كانوا يسافرون مع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في رمضان ، فيصوم بعضهم ويفطر بعضهم ، لا يعيب هؤلاء على هؤلاء ، ولا هؤلاء على هؤلاء « 2 » .
وبما روي أنّ حمزة بن عمر الأسلمي سأل النبي صلّى اللّه عليه وآله عن الصوم في السفر ، فقال عليه السّلام : إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر « 3 » .
قلنا : هذه الأخبار بتقدير الصحّة محمولة على صوم التطوّع والنذر المعيّن ، توفيقا بين الأدلّة ، على أنّها لا تدلّ على ترجيح أحد الطرفين والأفضليّة ، فلا يحصل منها مطلوبهم بالخصوصيّة .
هامش
( 1 ) راجع : الخلاف للشيخ الطوسي 2 : 201 .
( 2 ) صحيح مسلم 2 : 787 ح 95 .
( 3 ) صحيح مسلم 2 : 785 ب 15 .