فبهذا التعقّل المعكوس يا أضعف ضعفاء الأنام تشنّع على العقلاء ، وتقاوم الفحول العظام ، ومن ذهب إلى الخطأ في البلاغة يا أيّها الحائر البصير الناقل ، والأعور ذو السفاهة الحائر .
وقد تقدّم أنّ لفظة « أنّى » للمكان حقيقة ، وحملها على غيره مجاز ، وهو بدون القرينة الصارفة عن الحقيقة غير مجاز ، فظهر أنّ هذه الآية نافعة لانتفاع آل النبي عليهم السّلام ، وليست عليهم بما توهّمه الخارجيّ من فضول الكلام .
وقد استدلّ على إباحة ما ذكرناه بقوله تعالى :
أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ
« 1 » وبقوله تعالى
هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
« 2 » وجه الاستدلال بالأوّل أنّه لا يجوز أن يدعو إلى التعوّض عن الذكران إلّا وقد أباح منهنّ الوطي مثل ما يلتمس من الذكران ، وبالثاني أنّ هذا القول يقتضي أنّ في بناته المعنى المطلوب .
وما ذكره الأعور على الأوّل باطل ؛ لأنّ التوبيخ والنكران إنّما هو على إتيان الذكران ، بالنصّ الصريح والنقل الصحيح ، لا على وطئ الدبر مطلقا ، والدليل خاصّ بالذكران .
الثاني : أنّ كلامه هنا مناقض لما ذكره سابقا ، وذلك لأنّه استدلّ بالمفهوم المخالف ، وجعله حجّة في آية المتعة ، ولم يعتبر هاهنا بل قال بنقيضه .
الثالث : أنّه خالف هنا إجماع المسلمين ، لأنّ قوله تعالى :
أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ
وعند من لا يجعل هذا المفهوم أنّ « من العالمين » عند من يقول بمفهوم المخالفة ، يفيد اختصاص التوبيخ بإتيان الذكران ، وعند من لا يجعل هذا المفهوم حجّة لا تعلّق له بالنسوان ، لا بالنفي ولا بالإثبات ، فجعله دليل التوبيخ على الوطي
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : 165 - 166 .
( 2 ) سورة هود : 78 .