الوجه الثاني : أنّ النكاح يحتاج إلى الاشهاد دون الطلاق ، لأنّ النكاح عقد تريد به تملّك ما ليس لك من ملك الغير ، فتحتاج به إلى ما يثبت الانتقال ، والطلاق حلّ معناه تحلّيه ما هو لك ، فلا يحتاج فيه إلّا إلى النيّة فقط ، فالاشهاد فيه وعدمه واحد .
الوجه الثالث : الاشهاد المذكور معطوف على المفارقة ، لا يلزم أن يكون شرطا في صحّة وقوع الطلاق ؛ لأنّ مثله في القرآن كثير وليس بشرط ، كقوله تعالى :
إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
وأكّد ذلك بتكرار الأمر بالكتابة ثانيا بقوله
وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ
وثالثا بقوله :
فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ
ورابعا بقوله :
وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ
وبالغ بقوله :
ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا
« 1 » وبقوله :
وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ
« 2 » .
وكذلك أمر بالاشهاد على الدين بقوله :
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ
وبالغ بقوله :
فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ
« 3 » وأمر بالاشهاد على البيع بقوله :
وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ
« 4 » وكلّ ذلك ليس بشرط في لزوم الدين ولزوم البيع ، فكيف صار مثله شرطا في لزوم الطلاق ؟ وهل ذلك إلّا تحكّم ومكابرة لشرع اللّه تعالى وأحكامه ؟
قلت : القول بأنّ شهادة عدلين شرط في وقوع الطلاق ومتى فقد لم يقع الطلاق ممّا اختصّ بالخاصّة ، وخالف فيه فقهاء العامّة .
دليل الخواصّ النقل الصحيح والتصريح الصريح من أهل العصمة ، وقول ربّ العزّة :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 282 .
( 2 ) سورة البقرة : 283 .
( 3 ) سورة البقرة : 282 .
( 4 ) سورة البقرة : 282 .